سيدخل يوم التاسع من أكتوبر هذا العام تاريخ مصر، باعتباره واحداً من الأيام السوداء التي ستترك تأثيرها في الأحداث لسنوات قادمة. لم أكن أتصور حين كتبت في المقال السابق المنشور صباح ذلك الأحد الذي نشر الحزن في مصر عن أزمة المجلس العسكري الحاكم وعن «العبور الأصعب» المطلوب لإنقاذ الموقف، لم أكن أتصور أن الأوضاع ستصل في المساء إلى حافة الهاوية.
وأن ما كان مستحيلاً تصوره قبل شهور أو أسابيع قد أصبح واقعاً، وأنه لولا عناية الله ولولا هذا المخزون الحضاري العظيم الذي يملكه شعب مصر لكانت الأمور أسوأ بكثير من كل ما وقع.
حصيلة الشهور السابقة من الارتباك وسوء الإدارة تتجمع في لحظة أمام مبنى التلفزيون المصري في «ماسبيرو»، حيث قام الأقباط قبل ذلك بعدة تظاهرات، وحيث كان مقرراً أن تنتهي مسيرة تظاهرة جديدة نظموها في ذلك اليوم من حي شبرا، احتجاجاً على حادث طائفي وقع في صعيد مصر و تم فيه إحراق كنيسة صغيرة وكان تعامل محافظ الإقليم مع الحادث سيئاً ومثيراً للاستفزاز!
رغم بعض المناوشات الصغيرة فقد وصلت التظاهرة بسلام إلى نهاية طريقها، وإذا بالمأساة تبدأ والاشتباكات تتصاعد، وإذا بقوات الجيش التي تحرس مبنى التلفزيون تصبح طرفاً في الصدام، وآلاف المتظاهرين من الأقباط وبعض المسلمين القلائل من النشطاء المتضامنين معهم يدخلون في معركة مازالت أسبابها وحقائقها رهن التحقيق.
ولكنها بكل المقاييس- تمثل مأساة حقيقية. عشرات الضحايا ومئات الجرحى من المتظاهرين الأقباط بعضهم سقط بالرصاص وبعضهم داسته فيما يبدو العربات المدرعة. جنود من جيش مصر يسقطون لأول مرة في تاريخها الحديث بأيدي مصريين.
وفي صدام لم يتوقعه أشد المتشائمين. وسط هذا كله كانت الحكومة غائبة كالعادة، والتلفزيون الرسمي الذي نقل ما يحدث على الهواء يتحدث مذيعوه المحاصرون داخل المبنى عن هجمات يتعرض لها الجيش وضحايا يسقطون منه. والناس في الأحياء المجاورة يهرعون للنجدة. وبين الاستنفار والذهول كان الملايين يتابعون الموقف، ولم يكن شبح الاقتتال الطائفي ماثلاً أمام الجميع كما كان في هذه الساعات المؤلمة.
كان المجلس العسكري يبذل جهوداً كبيرة لاحتواء الموقف. وكانت هناك وفقاً للترتيبات السابقة- تظاهرات مماثلة في خمس محافظات غير القاهرة تزيد من احتمالات الصدام. وكان أسوأ ما في هذه اللحظات هو غياب السياسة وعجز الحكومة عن التعامل مع الحدث.
وسكوت رئيس الوزراء لأكثر من سبع ساعات ليقول بعدها بياناً باهتاً لا معنى له. ولم يكن هناك مفر من إعلان حظر التجول في وسط القاهرة خوفاً من الأسوأ، فعشرات الألوف من الأقباط كانوا يبحثون عن أقاربهم أو يريدون الوصول إلى مقر الكاتدرائية، وبعض الجماعات السلفية كانت مستنفرة في البداية، قبل أن تمر الساعات العصبية ومبدأ الحديث عن «الاستهداف» وعن «جماعات منظمة» اخترقت التظاهرة وأشعلت الموقف، وعن «تآمر» نجح هذه المرة في توريط الجيش، وفي خلق موقف كان من الممكن ان يطلق جحيم الحرب الطائفية.
ولو أن هذه الساعات العصبية مرت ببلد آخر لكانت الحصيلة آلاف القتلى و مذابح لا تنتهي وحرب أهلية لا تتوقف. لكن مصر استطاعت ان تنجو بفضل وعي الشعب بمختلف طوائفه وأديانه- بأن وحدته الوطنية هي قداس الأقداس الذي ينبغي الحفاظ عليه مهما حدث، ومهما كان ارتباك السلطة ومهما كان ضعف الحكومة، ومهما كانت خيبة الأحزاب السياسية المشغولة عن كل المخاطر بتوزيع مقاعد البرلمان القادم !!
الجهود كلها تبذل الآن لتجاوز المحنة وتهدئة الموقف ومواجهة آثاره. وكان لافتاً المسارعة في الإعلان عن صدور القانون الموحد لبناء دور العبادة بعد أسابيع، وعن تعديل تشريعي آخر لإضافة نص قانوني يمنع التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس ويعاقب عليه.
والمشروعان جاهزان منذ سنوات وقد شاركت في إعدادهما من خلال المجلس القومي لحقوق الإنسان. والخشية هنا أن القوى التي عطلت صدورها تلك السنوات يمكن ان تثير العقبات مرة أخرى، وما لم تكن هناك إرادة سياسية لفرض المشروعين فسوف يتم تعطيلهما، أو على الأقل إدخال التعديلات التي تبطل تأثيرهما.
ومع ذلك، وحتى لو صدرت هذه القوانين، فإن القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية مناخ فاسد استمر لأربعين سنة في زرع ثقافة الكراهية والتطرف. وهي من ناحية أخرى قضية الارتباك في إدارة المرحلة الانتقالية وغياب الرؤية الشاملة للدولة الحديثة التي ينبغي التأسيس لها .
والمهمة أمام المجلس العسكري ليست سهلة، فأمامه مهمة التعامل مع أطراف عديدة للمشكلة، لعل أولها الأقباط الذين سقط منهم العدد الأكبر من الضحايا. وإذا كان البابا شنودة قد ساهم في تخفيف الاحتقان حين جمع على الفور قيادات الكنيسة وأصدر البيان الذي تحدث عن اندساس فئة مشبوهة كانت وراء الأحداث، أي أنه يبرئ الأقباط والجيش، إلا أن حديث القيادة العسكرية تناول تورط بعض رجال الدين المسيحي في التحريض على اقتحام مبنى التلفزيون وإشعال الموقف لاستدراج التدخل الأجنبي .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هاجس التدخل الأجنبي بات حاضراً بشدة ليس فقط في الملف القبطي، بل في غيره من الملفات. طرف آخر في المعادلة هو الجماعات السلفية المتشددة التي كانت وراء العديد من الأحداث الطائفية، والتي تثير تصرفاتها المخاوف ليس فقط عند الأقباط، بل عند الغالبية من المسلمين المعتدلين. لكن الطرف الأهم هو كوادر الجيش نفسه الذين يشعرون بالإهانة من العدوان عليهم، ويشعرون بإهانة اكبر من اتهامات وجهها البعض بأنهم دبروا الحادث ليكون مبرراً للبقاء في سلطة يؤكدون أنهم لا يريدونها.
بعد العديد من هذه الأحداث المأساوية كان فتح باب الترشيح لانتخابات البرلمان القادم. ربما كانت الايجابية الوحيدة لهذه الخطوة المقررة انها ساهمت في ضبط سلوك بعض الأحزاب والجماعات الدينية أثناء المحنة الأخيرة، لأنها لا تريد شيئاً يعطل عليها انتخابات ترى أنها ستفوز بها !