هل يصدق أحد أن رئيسا أميركيا فذا وفضا، انتخبه شعبه لولايتين رئاسيتين متواليتين داميتين وقاد بلاده إلى حربين عالميتين ضد الإرهاب، مطلوب اليوم للمحاكم العالمية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟

إذن، مجرمو الحرب لم ينقرضوا بعد! في بلد العم (سام) على الأقل هناك مجرم حرب ما زال (حيا) يعيش بينهم. كان حتى وقت قريب، الملاك الملك المحارب الذي بعثه الرب لكي يقاتل الأشرار المسلمين الإرهابيين في كل مكان وزمان. الكل تعامل معه بصدق في العالم الثالث واستضافه وصافحه بحسن نية العرب. وقدموا له الهدايا غالية الثمن.

 وهو في حقيقة الأمر لم ينزل من العالم الأول إلى العالم الثالث بحثا عن هدية متواضعة، بل بحثا عن كنز مخبأ تحت رمال صحراء الجزيرة العربية وما حولها. وللوصول إلى هذا الكنز الدفين، كان لا بد من القضاء على الملايين من البشر المسلمين، دون التعرض لليهود أو المسيحيين، تماما كما يحدث في ألعاب تسلية الأطفال، ولكنها لعبة تستخدم بشرا حقيقيين.

وكلما تفوه صاحب ضمير ضد مجازره، اتهم إما بالجنون، أو بالإرهاب أو بمحاربة الديمقراطية أو بالعداء للسامية أو بكل الاتهامات السابقة وألقي القبض عليه وزج في سجون جوانتانامو. ويبدو أن ثلث من يقبعون في سجون العالم لا ذنب لهم سوى أنهم عبروا عن سخطهم ومعارضتهم لخطط الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، لاحتلال منابع النفط في الشرق الأوسط، وبالتالي عرقلة تحقيقها.

وكثير من المفكرين والمحللين وأصحاب الضمير اكتشفوا سر اللعبة منذ بداياتها والتخطيط لها، ولكنه للأسف لم يستمع إليهم أحد. فلا يعقل أن تجند الولايات المتحدة الأميركية كل ترسانتها العسكرية وكل إمكانياتها المالية والاستخباراتية والسحرية والإعلامية لقتل رجلين لا ثالث لهما: أسامة وصدام؟

فذبح بوش من أبناء وطنه في معركته ضد ابن لادن أكثر مما قتله ابن لادن نفسه في هجومه على البرجين، وذبح من المسلمين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ لإسقاط صدام حسين أكثر ممن قتلهم صدام حسين طوال مدة حكمه الاستبدادي.

وكعادتنا، إما أننا كنا نستمتع وقتها بالتفرج على مسرحية جورج بوش الدراماتيكية، أو أننا صدقنا الكذبة. إلى أن صحونا واكتشفنا أننا كنا مجرد ضحية لعملية احتيال كبرى قام بها مراوغ من الدرجة الأولى. وقتها اكتشفنا وبعد فوات الأوان أن شعوبنا أهينت، وشبابنا ذبحوا، ومستقبلنا ذهب مع الريح، وثرواتنا تم نهبها، وأملاكنا صودرت.

ومن المضحك أننا لم نشعر لا بالخيبة ولا بتأنيب الضمير ولا بالمطالبة بإعادة أموالنا، ولا بمحاكمة القاتل الذي قتل أبناءنا. وكعادة العرب، تعاملنا مع المسألة بروح رياضية واعتبرنا أن ما حصل كان قدرا مقدورا. وخير الناس العافون.

وأننا لن نصنع أبدا ما صنعته الحكومة الإسرائيلية ومعها الشعب اليهودي بالمطالبة بتعويضات ضخمة عن كل يهودي قتل أو أحرق أثناء الحرب العالمية الثانية، وبإعادة كل الأموال التي صودرت منهم، أو تلك التي ظلت مودعة في المصارف الأوروبية والسويسرية تحت أسماء حقيقية وأسماء مستعارة إضافة إلى الفوائد والأرباح (ما نطلق عليه نحن الربى) وبأثر رجعي!

كلا، نحن لا نطالب بحقوقنا، بل ما زلنا ندفع إلى لحظة كتابة هذه السطور فواتير تلك الحروب التي شنها جورج بوش لصالحه ولصالح طموحاته وآماله ومصانع الدول العظمى.

غير أنه ليست كل الشعوب عربا وكرما ونسيانا ومسامحة، هناك عدة منظمات تدافع عن حقوق الإنسان وهي منظمات دولية بدأت تعمل بكل ما تملك من طاقات محدودة، ولم يعد يفوتها شيء، ولم تعد تخاف من البشر بقدر خوفها من ضميرها. وهذه المنظمات منتشرة في كل مكان وأصبحت تكبر وتتسع بحيث أصبحت تخيف القاصي والداني.

وأصبحت تتجرأ أن تطالب بما لا تطالب به الدول الكبرى. اليوم تطالب منظمة العفو الدولية الحكومة الكندية بالقبض على الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش جونيور، لعدة تهم كلها تعود إلى فترة ولايته. هذه المنظمة تتهم الرئيس بوش بجرائم وخاصة جرائم التعذيب والقتل العمد.

وصحيفة الاتهام المقدمة تتضمن 1000 صفحة سلمتها المنظمة إلى السلطات الكندية بتاريخ 21 سبتمبر الماضي. وهناك منظمة غير حكومية كندية (المجموعة الدولية لمراقبة الحريات المدنية) هي الأخرى تسند هذا الادعاء. التهمة الرئيسية:

(برنامج المخابرات الأميركية السي آي إيه السري الذي كان معمولا به بين عامي 2002 و2009 الذي يخضع الموقوفين للتعذيب وللمعاملة المتوحشة وغير الإنسانية والمهينة والتي أدت في كثير من الحالات إلى الموت الحتمي). وهذه المنظمات لا تعتمد في تهمها على إشاعات مغرضة، وإنما على وثائق حقيقية حصلت عليها بفضل قانون حرية الإعلام والمعلومات، وكذلك بناء على اعترافات بوش نفسه في مذكراته وكذلك على تقرير صادر من قبل منظمة الصليب الأحمر (وليس الهلال الأحمر، للأسف). الكل بالطبع سمع عن أسلوب الإغراق أثناء التعذيب.

وفي رأي هذه المنظمات، فإن عدم القبض على جورج بوش في حالة زيارته إلى كندا في العشرين من هذا الشهر، سيشكل انتهاكا لمعاهدة الأمم المتحدة ضد التعذيب واحتقارا لحقوق الإنسان الأساسية. هذه ليست المرة الأولى التي يطارد فيها بوش بطلبات القبض عليه. ففي شهر فبراير الماضي لاقى نفس المصير حين فكر في زيارة سويسرا. وكل ما ا ستطاع فعله هو أنه ألغى رحلته! بعد أن كان قبل سنوات قليلة يصول ويجول في العالم كالطاووس. وقد كان حذاء منتظر الزيدي الشرارة التي أشعلت النيران في ريش الطاووس.

في نظري وفي نظر الجميع، فإن كل نفط العالم لن يكون كافياً لغسل العار الذي لحق برئيس أكبر قوة في العالم ولا كل مياه المحيطات ستكون كافية لغسل يديه من دماء المسلمين...

فمن يعتبر للمرة الألف؟