عندما تأسس حزب البعث في أربعينات القرن الماضي استجابة لتطور الحركة القومية العربية التي نشطت بعيد انسحاب الاستعمار الأوروبي من بلاد الشام، وانسجاماً مع متطلبات حركة الاستقلال في بعض البلدان العربية. ورغم أن أهدافه لم تكن شديدة الوضوح عند تأسيسه.
واعتمدت على المشاعر القومية وعلى الرغبة في بناء الدولة الحديثة المستقلة المتحررة من الاستعمار القديم مع الطموح بإقامة وحدة عربية، إلا أنه كان موئلاً للمثقفين العرب الذين كانت الجامعة السورية حاضناً لهم، وشكل تياراً أيديولوجياً وسياسياً يستجيب لبعض السياسيين الباحثين عن استقلال بلادهم وتطويرها ومقاومة الغزو الصهيوني بعيد النكبة. وقد انتسب إليه قسم كبير من المثقفين العرب خاصة طلاب الجامعات في سورية والعراق، وحملوا مبادئه، وبدءوا بنشرها في أقطار بلاد الشام.
وما لبث حزب البعث في خمسينات القرن الماضي أن تزعم الحركة الوطنية في هذه البلدان، وقاد المعارضة للاستعمار الأوروبي الآفل والإمبريالية الأميركية الصاعدة، وضد النظم السياسية التي تحكم بعض هذه البلدان.
وقد سد حزب البعث فراغاً في الحركة الوطنية العربية لم تستطع الأحزاب الشيوعية أن تملأه بسبب موقفها المؤيد لتقسيم فلسطين، وعدم قبولها فكرة القومية العربية، حيث كانت البشرية بالكاد انتهت من وأد الحركة النازية والفاشية العنصريتين في أوروبا، اللتان كانتا تعتمدان على الفكرة القومية من حيث الأساس. كما لم يستطع تيار حركة القوميين العرب الذي عبر عن نفسه من خلال حركات أو أحزاب في ذلك الوقت من أن يسد الفراغ بسبب غلوّه القومي (وميله إلى المواقف الشوفينية المتطرفة) .
وهكذا بقيت أفكار حزب البعث، رغم غموضها، الأقرب إلى الواقع وتحمل بذور آفاق مستقبل عربي متحرر، خاصة بعد أن اندمج حزب البعث مع الحزب العربي الاشتراكي وتحولا إلى حزب قومي اشتراكي موحد ، مما ساعده على انطلاقة صاروخية سواء في المعارضة أم في تولي السلطة في بعض بلدان الشام، فقد تزعم المعارضة في الأردن ضد السياسة البريطانية (غلوب باشا) واستطاع أن يوصل عدة نواب إلى البرلمان، وأن يتولى بعض أعضائه وزارات فيما بعد.
وخاصة في وزارة سليمان النابلسي 1957، وتزعم الجبهة القومية في سورية التي ضمت الحزب الشيوعي السوري وأحزاب الرأسمالية الوطنية وبعض التيارات الليبرالية، وكان لها أكثرية في المجلس النيابي، وأوصلت سورية عام 1958 إلى الوحدة، كما كان شريكاً رئيسياً في الثورة العراقية التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1958 واستلمت السلطة بالشراكة مع ضباط عسكريين ومع الحزب الشيوعي.
آل نشاط حزب البعث العربي الاشتراكي إلى خمود أيام الوحدة السورية المصرية، وما لبث أن انقسم أيام الانفصال بين مؤيد ومعارض له، إلى أن تولى السلطة في فبراير 1963 في العراق وبعد شهر واحد في سورية بانقلابين عسكريين، وأصبح يحكم مباشرة وعلناً بلدين عربيين مشرقيين رئيسيين.
ارتبك حزب البعث بعد توليه السلطة في هذين البلدين وخاصة فيما يتعلق ببرنامج الحزب وإدارته الدولة وتحديد صلاحيات ومهمات كل من الحزب والدولة، وفك التداخل في هذه الصلاحيات بين الطرفين، وقد جرت محاولات عديدة لفك الاشتباك بين الحزب والدولة آلت جميعها إلى الفشل، فسقط حكم الحزب في العراق بعد تناقضات شديدة فيه حول هذا الموضوع، ثم ما لبثت التناقضات أن دبت داخل الحزب في سورية وكان يحكمها بيد من حديد، فحصلت عدة انقلابات داخلية فيما بين أجنحة الحزب (بيمينه ويساره)، إلى أن آل الأمر إلى الرئيس حافظ الأسد عام 1970، فأقام دولة نحى فيها واقعياً حزب البعث جانباً وأبقاه عنواناً لشرعية النظام فقط، وأصدر دستوراً يحقق رغباته.
ومع الزمن لم يعد للحزب دور جدي في إدارة الدولة باستثناء أن الدستور ينص على أنه قائد الدولة والمجتمع، وأن النقابات المهنية تضم في قيادتها أكثرية من أعضاء حزب البعث، ولم يلبث حزب البعث أن أبعد كلياً عن السلطة التي بقيت تأخذ شرعيتها منه.
وصار شاهد زور على ما يجري و(محللاً) لزواج مشكوك في صحته، وهكذا تلاشت سلطة حزب البعث كحزب، وأصبحت مؤتمراته وتنظيماته وقياداته وحتى أعضائه بيارق تُرفع عند الحاجة، ولا يؤخذ برأيها في أي أمر هام، وصار الانتساب لحزب البعث له فائدة واحدة هي الوصول إلى مغنم أو امتياز أو وظيفة أو ما يشبه ذلك، أي أنه فقط إجازة مرور للمنافع.
لقد استوى الأمر وتماثل في سورية والعراق ، حيث تحول الحكم في البلدين إلى حكم شمولي، ولم تعد هموم كل ممن يحكم الدولتين هموماً عامة، وصار الحزب في كل منهما بالواقع بلا لون ولا طعم ولا رائحة سوى أن وجوده واستمراره مبرر لما لا يبرر. وهكذا تراجع حزب البعث وحلت محله أجهزة السلطة والأمن، وفقد دوره في الحياة الأيديولوجية والعقائدية والسياسية المحلية والعربية، وهو في الآن في حال موت سريري وبقايا حلم مبدد.
لو استطاع حزب البعث تطوير أهدافه التي كانت تشكل (أهدافاً عربية جامعة تمثل مشاعر قومية وصرخات وطنية) إلى أهداف تستوعب تطورات العصر وحاجات المجتمع، ولو تبنى معايير الدولة الحديثة عند بنائه للدولة التي حكم بموجبها ونأى بنفسه عن الانشغال بأمور الحياة اليومية، وتجنب أعضاؤه الاقتتال في سبيل الامتيازات والمصالح الفردية.
والغرق في الصراع على السلطة، ولو نجا من هيمنة أجهزة الأمن لكان الآن من الأحزاب العربية الهامة الحيّة والحيوية وذات المبادئ الشاملة القادرة على أداء مهمات وطنية جسيمة، لكن هذا لسوء الحظ لم يحصل، و بدلاً من أن يجدد البعث شبابه باستمرار قتله أهله وصار ضحية أبنائه.