يمكن لريك بيري وميت رومني أن يتصارعا حول أيهما ساهم في إيجاد فرص عمل أكثر، ولكن حكام الولايات الأميركية ليس لهم تأثير يذكر على نمو الوظائف في ولاياتهم. الولايات ليست لديها سياساتها النقدية الخاصة بها، ولذا فهي لا تستطيع تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز نمو الوظائف، ولا يمكنها تحفيز الطلب من خلال السياسات المالية، بسبب صغر حجم ميزانياتها. وتبلغ نسبة الولايات التي تمنع بموجب دساتيرها من التسبب في عجز في الميزانية، 49 من بين 50 ولاية.

والولايات تستطيع التقليل من الضرائب والضوابط المفروضة على الشركات، وتقديم الرعاية لها، في إطار جهودها الرامية إلى تحسين "مناخ الأعمال" فيها. ولكن الدراسات تظهر أن هذه الاستراتيجيات تكاد تكون عديمة التأثير على مواقع الشركات، حيث تعتمد قرارات اختيار تلك المواقع على عوامل أكبر من ذلك بكثير، ومنها أماكن وجود العملاء، وشبكات وسائل النقل، وتكاليف الطاقة.

ولكن إذا بذل الحكام قصارى جهدهم، فسيكون بمقدورهم إنتاج الكثير من فرص العمل الرديئة، حيث يمكنهم إبعاد النقابات، وجذب المهاجرين من ذوي الأجور المتدنية، وغض الطرف عن الشركات التي لا تقوم بحماية صحة عمالها وسلامتهم.

ويبدو أن ذلك هو بالضبط ما فعله بيري. فبينما تقف ولاية تكساس في الطليعة على المستوى الأميركي، فيما يتعلق بنمو فرص العمل، فإن معظم القوى العاملة في هذه الولاية يتقاضون أجوراً بالساعة، بدلاً من الرواتب الشهرية. ويبلغ متوسط الأجور بالساعة هناك 11,20 دولاراً، فيما يصل المتوسط الوطني إلى 12,50 دولاراً في الساعة.

وقد أصبحت ولاية تكساس كذلك متخصصة في الوظائف ذات الحد الأدنى من الأجور، فمن عام 2007 إلى عام 2010، ارتفع عدد عمال الحد الأدنى للأجور من 221 ألفا إلى 550 ألف عامل، وهي زيادة نسبتها 150 في المئة تقريباً.

 ووفقاً لمكتب إحصاءات العمل الأميركي، فإن نسبة العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور أو ما يقل عنه، تصل في ولاية تكساس إلى 9,5%، مقارنة بنحو 6% في سائر أميركا، كما تتمتع الولاية بأعلى نسبة من العمال الذين لا يحظون بتأمين صحي. وتحتل مدارس تكساس المرتبة الرابعة والأربعين في قائمة المدارس الأميركية، من حيث معدل الإنفاق للتلميذ الواحد. ويبدو أن نموذج بيري لإيجاد المزيد من فرص العمل بأجور منخفضة، يلقى شعبية في أنحاء أخرى من أميركا.

وفقاً لتقرير صدر أخيراً عن وزارة التجارة الأميركية، انخفض متوسط دخل الأسر في الولايات المتحدة بنسبة 2,3% في العام الماضي، أي إلى أدنى مستوى على امتداد 15 عاماً. وذلك هو العام الثالث على التوالي، الذي تواصل فيه دخول الأسر الأميركية انحدارها. ويرجع جانب من السبب في ذلك إلى فقدان الوظائف، والجانب الآخر إلى انخفاض الأجور.

ويحتفظ المزيد والمزيد من الأميركيين بوظائفهم، من خلال القبول بأجور ومنافع متدنية، أو التخلي عن زيادات غلاء المعيشة، أو أنهم يفقدون وظائف بأجور أعلى ثم يرضون بعمل أقل أجراً، أو أنهم يعملون لدى شركات كانت تدفع أجوراً أعلى بكثير، ومنها شركات السيارات التي تدفع حالياً لعمالها الجدد حوالي 14 دولاراً للساعة الواحدة، أي ما يقارب نصف ما كانت تدفعه سابقاً، أو أنهم ينضمون إلى غيرهم من العمال المؤقتين، أو "المستشارين" الذين يعملون لحسابهم الخاص، أو العمال المتعاقدين، الذين يفقدون ميزاتهم من استحقاقات الرعاية الصحية ومعاش التقاعد والضمان الوظيفي والأجور اللائقة.

إن إيجاد الكثير من فرص العمل الرديئة ليس إنجازاً عظيماً. وقبل بضع سنوات، أشارت السياسية الأميركية ميشيل باكمان، إلى أنه لو تم إلغاء الحد الأدنى للأجور "لكنا على الأرجح تمكنا من محو البطالة بالفعل بشكل تام، لأننا كنا سنتمكن من توفير فرص عمل بأي مستوى كان".

إنها محقة في ذلك. ويمكننا أن نمحو البطالة بشكل تام، إذا دفع أرباب العمل للعاملين لديهم خمسة سنتات للساعة الواحدة. مهلاً، لم لا نستعبد العمال؟

إنني أسمع باستمرار الاقتصاديين المحافظين، يقولون إن الأميركيين تسببوا في إبعاد أنفسهم عن سوق العمل العالمي عالي التقنية، نتيجة لارتفاع أجورهم.

هذا هراء، إذ إن إنتاجية العمال الأميركيين تواصل ارتفاعها. ولكن المشكلة هي أن عدد الأميركيين الذين يتقاسمون المكاسب، يقل شيئاً فشيئاً. وقد وصلت النسبة ما بين أرباح الشركات والأجور، إلى أعلى قيمة منذ ما قبل الكساد الكبير. وإلى جانب ذلك، كيف يمكن لتخفيض الأجور أن يكون حلاً لمشكلة أميركا الاقتصادية؟ فالدخول المنخفضة تعني طلبا كليا أقل على السلع والخدمات، الأمر الذي يعني بدوره انخفاض فرص العمل والأجور إلى مستوى أدنى من ذلك.

نحن حتماً بحاجة إلى المزيد من فرص العمل، ولكنها لابد أن تكون فرص عمل جيدة. ويحكم نموذج نمو الوظائف، الذي وضعه بيري (وباكمان)، على الأميركيين باستمرار تدني مستويات المعيشة.

إن مستويات المعيشة الأميركية آخذة أصلاً في التدني، وهذا شيء لا يدعو إلى الفخر.