نشرت جريدة القبس الكويتية (وهي جريدة مرموقة تحظى باحترام القارئ الكويتي)، بتاريخ الخامس من هذا الشهر، صورة كبيرة على صدر صفحاتها لازدحام مروري خانق، ثم أفردت صفحة داخلية لتنشر عدة صور أخرى تبين جوانب هذا الازدحام في مناطق شتى من دولة الكويت. وكتبت على صدر صفحاتها وتحت عنوان: "الصور تقول ليش.." التالي:

"ليش ديرتنا أصبحت تضَيِّق الخلق (أي أنها مدعاة للضجر) بسبب الاختناق المروري الذي تفاقم كثيراً وتضاعف في الآونة الأخيرة. ليش كل الشوارع والطرقات الرئيسية مرتبكة ومزدحمة جداً، لدرجة تثير التوتر والعصبية لدى قائدي المركبات ومرتادي الطرقات.

والذين ينتظرون وقتاً طويلاً داخل المركبة للوصول إلى الدوام، أو لقضاء مصلحة أو حتى للعلاج في المستشفى، فتضيع المواعيد، ويتأخر المرء عن أعماله بلا جريرة منه؟!"، ثم تضيف الجريدة الغراء متسائلة بأسلوب تملؤه الحسرة والألم:

"ليش إمكانياتنا المادية متوافرة، ومع ذلك ليست مستغلة في حل الأزمات وعلى رأسها الأزمة المرورية ..."؟!

وظني أن هذه "الليش" (أي لماذا باللهجة الخليجية)، لا تنحصر في سكان الكويت من مواطنين ووافدين، بل هي تنطلق من حناجر كل سكان العواصم العربية، الذين يعانون الأمرين للوصول إلى أعمالهم أو لقضاء احتياجاتهم. ولا حل للأزمة المرورية في العواصم العربية ومدنها الكبرى، إلا بالمواصلات الجماعية وعلى رأسها المترو.

ولقد خطت دبي خطوات رائدة في هذا المجال، وهو حل المشكلة المرورية وتيسير التنقل وتنويع المواصلات، وجعلها في متناول الجميع وبأسعار مناسبة. ولعل افتتاح الخط الأخضر للمترو قبل أيام، جاء ليذكرنا بإنجازاتها في هذا المجال، وهي إنجازات يمكن أن تكون نموذجاً للتخطيط السليم، ومثالاً يحتذى لأي عاصمة عربية أو مدينة كبيرة في أرجاء وطننا الكبير، يعاني ساكنوها الأمرين في تنقلاتهم.

فمع الطفرة العمرانية الكبيرة التي شهدتها دبي في بداية الألفية الثالثة، وكونها أصبحت مركزاً مالياً وتجارياً وسياحياً مرموقاً، أخذت تعاني من الاختناقات المرورية، ولقد شهدت شخصياً بعضاً منها أثناء زياراتي الكثيرة لدبي، فكان من المستحيل مثلاً الوصول إلى المنطقة المحيطة بشارع بني ياس في "وقت معقول"، وكان عداد سيارة الأجرة يسجل أرقاماً هي أضعاف ما هي عليه الآن.

وجاءت فكرة إنشاء المترو لتضع حداً لهذه المشكلة، ولتقدم خياراً آخر لقاطني مدينة دبي وزائريها (وبالمناسبة فزائروها هم بالملايين). وقد بدئ العمل في مشروع المترو في العام 2005، وأصبح الخط الأحمر جاهزاً في التاسع من سبتمبر 2009، والممتد من الراشدية قرب مطار دبي الدولي، إلى ميناء جبل علي بامتداد 52 كم تقريباً.

وصادف إنشاء هذا الخط (والمشروع برمته) أوقاتاً عصيبة، إذ منذ نهاية العام 2007 وبداية العام الذي يليه، دخل العالم في أزمة اقتصادية طاحنة عانت منها جميع الدول وما زالت ومنها دبي، غير أن ذلك لم يثنها عن مواصلة ذلك المشروع "الاستراتيجي" المهم لتطورها، فأنفقت ثلاثين ملياراً من الدراهم عليه، في زمن شحت فيه السيولة، وتهاوت فيه البورصات العالمية والمحلية.

ثم جاء افتتاح الخط الأخضر في موعده قبل أيام، لتثبت دبي مرة أخرى أنها قادرة على تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية في أحلك الظروف وأصعبها. وهذا الخط الذي يمتد بطول حوالي ثلاثة وعشرين كيلومتراً، يمر في المناطق ذات الكثافة السكانية والتجارية، وبالتالي فسيكون من الميسور جداً الانتقال من منطقة الفهيدي إلى سكة الخيل ومنطقة بني ياس، في دقائق معدودة.

إن آيات نجاح هذا الخط قد ظهرت جلية بسرعة، فخلال عشرين يوماً من تشغيله (من العاشر من سبتمبر إلى نهايته وبحسب تلفزيون دبي)، استخدمه أكثر من مليون ومائتي ألف راكب، بمعدل ستين ألف راكب في اليوم. ومن المتوقع أن ينقل مترو دبي بخطيه، ما يقارب 280 ألف راكب يومياً.

وبالتوازي مع إنشاء المترو، طورت دبي شبكة مواصلاتها الأخرى، من حافلات عصرية تغطي جميع مناطقها تقريباً، إلى قوارب حديثة لنقل الركاب عبر ضفتي الخور. وهي في صدد إنشاء "ترام"، فضلاً عن استكمال خطي المترو، الأزرق والبنفسجي، واللذين يربطان بين مطار دبي الدولي ومطار آل مكتوم الدولي.

ولا شك أن سكان دبي وزائريها أصبحوا يحسون بالفرق ويجنون ثمرات مشروع مترو دبي العظيم، فتيسرت سبل المواصلات والتنقل أمامهم، وخفت حدة الاختناقات المرورية بما تهدره من مال ووقت، وقلت نسبة التلوث. هذه هي النتائج المباشرة القريبة، أما النتائج الإيجابية البعيدة، فهي تنشيط الحركة التجارية بالقرب من محطات المترو، وارتفاع قيمة العقارات، وانجذاب الكثيرين للسكن حول المناطق التي يمر بها المترو، وغيرها الكثير.

ولعل هذه الأسباب، وعلى رأسها حل الأزمة المرورية، كفيلة بإقناع المسؤولين في الدول العربية، وخاصة في الكويت، للاستفادة من تجربة دبي في بناء «متروها» وتشغيله وإدارته وصيانته، لأنها بحق ودون مجاملة، تجربة رائدة تستحق أن يمشي على خطاها الجميع.