إن من "لا" يؤمن بضرورة وحتمية تغير الأحوال والأزمان والأعراف والتقاليد، فهو لا يؤمن بالتالي لا بالتاريخ ولا بالوقائع والأحداث، وربما لا يؤمن حتى بنفسه.
يحكي أهالي المنطقة أنه عندما وصلت أول سيارة إلى ديارنا وسارت على رمال الصحراء، دهشوا لها ولسرعتها وقوتها، غير أنهم سرعان ما انقسموا بين مدعٍ بأنها بدعة وبالتالي يحرم استخدامها على المسلمين من الجنسين، ومن يقول انها تطور آخر للبشرية وأداة ضرورية للإنسان والحياة، ولكنه يتوجب الانتظار قليلا.
وعندما استقرت الفكرة في أذهان سكان المنطقة بعد أن استوعبوا أهميتها، أصبحت قيادة وركوب السيارة أمراً مقبولًا لأكثرهم ثم أمراً لا بد منه، إلا أنها حرمت على النساء. ولم يستطع أحد أن يبرر وقتها كيف يحرم على المرأة ما يحل للرجل إلا ما جاء به الشرع؟
وحيث ان المرأة في ذلك الوقت كانت تتمتع بصبر طويل طويل وطويل جداً، وكانت لا تخضع لإرادة الرجل ـ كما يدعي بعض علماء الاجتماع لجهلهم بتركيبة نفسية المرأة في ذلك الزمن ـ وإنما كانت تؤمن باحترام الرجل كما يحترم الرجل إلى يومنا هذا قائده، دون أن يقلل ذلك من شأنه، فلم تقف في وجهه لتفرض عليه رأيها فتحطم بيتها لأمر لا يزيد على كونه ركوب سيارة.
ولم تعر الأمر أية أهمية، وهي في داخلها كانت تتمنى أن تركب السيارة كما يفعل الرجل، حتى أتى الوقت الذي تجرأ فيه أحدهم فسمح لزوجته ليلاً شريطة أن تجلس خلفه. وما أن فعلت حتى انتشر خبر الفضيحة فقامت القيامة، ثم استقرت. ثم تجرأ آخر على نفس الفعل.
وهكذا حتى سمح لها نفس الرجل السابق بأن تجلس بجانبه، شريطة أن لا تفتح فمها. ففعلت، ولكنها أشاعت نفس الضجة بين الأهالي، ثم سكت الجميع.
وحدث مع الطائرة نفس ما حدث مع ركوب السيارة، وفي كل مرة كانت المرأة تتمتع بنظر ثاقب وصبر طويل وابتسامة ساخرة. فقد كانت تؤمن في داخلها بقدراتها على تحقيق أحلامها أكثر من الرجل، وأنها سوف تفعل عندما يأتي الوقت المناسب.
وعندما تجرأ أحد الآباء في السبعينات من القرن الماضي، وسمح لابنته بتعلم قيادة السيارة شريطة أن تصطحب أخاها معها، قامت القيامة مرة ثالثة، وكان الأمر ليس مجرد فضيحة أخلاقية، بل كمن يدعو ابنته إلى فعل الفاحشة!
حتى هجره أهله وأصحابه، لأنه خرج عن تعاليم دينه وعادات قومه، ورمي بأشد أنواع الألقاب النابذة التي لا يرضاها الله فشوهت سمعته. وتحول الرجل إلى رجل منبوذ لا غيرة لديه على أهله وبناته وعرضه، وبالتالي لا تجوز مصاحبته حتى لا تنتقل عدوى بيته إلى بيت غيره.
وما أقوله كان حقيقة، وليس ضرباً من الخيال. ومر الزمن كما يمر البرق، وتحول أكثر الرافضين إلى أول المتسابقين المشجعين لبناتهم على تعلم قيادة السيارة.
وكانت الفترة الزمنية اللازمة لهذا التحول، لا تزيد على عشر سنوات فقط! قطعتها المرأة بين نظرات الخزي والعار، ودقائق الانتظار والمعاناة والتحمل. ومن غير جنس المرأة يتمتع بقوة التحمل والصبر؟
إلى أن وصلت اليوم إلى تحقيق ما لم تكن تحلم به جدتها قبل خمسين سنة، فأصبحت بإذن الله تقود أفضل أنواع الماركات من المركبات الفخمة وبأرقام مميزة، وتحمل أغلى أنواع الهواتف المتحركة، وتسافر على أفضل درجات الطائرات النفاثة إلى أبعد نقطة في الكون، حتى وصلت إلى القطب الجنوبي! ولم تقف عند حد قيادة السيارة، فأصبحت تقود الطائرة! وكل ذلك في غضون أربعين سنة من الزمن.
ولا نعرف لماذا لم يفكر أجدادنا وقتها بمنطق أوسع؟ وأضاعوا كل تلك السنين الطويلة في التفكير والرفض والعناد، حتى يصلوا في النهاية إلى هذه النتيجة الحتمية! وما زالت هناك شعوب حتى اليوم، تمر بنفس تجربة الإمارات قبل ستين سنة. وسوف يضيع الوقت سدى، حتى يصلوا في النهاية إلى نفس النتيجة.
ومن لم يعش تلك الفترة من الزمن، نقول له ما لن يصدقه شبابنا من الجنسين، أنه كان هناك من الأهالي في ذلك الوقت من كان يرفض أن تتفرج المرأة على التلفاز إلا بعد أن تضع ما يستر وجهها، بحجة أن فيه رجالاً.
ولم يتخيل ذلك الرجل أن ابنته أو حفيدته، سوف تضحك وهي تذيع في يوم ما نشرات الأخبار مباشرة على الهواء، وتدخل كل بيت في شتى أنحاء العالم. وأن ذلك لم ولن يمس شرفها، ولا كرامتها ولا أخلاقها ولا دينها، ولا عاداتنا وتقاليدنا العريقة.
العالم يتقدم والعالم يتطور والعالم يصل إلى مراحل متقدمة جداً في كل المجالات، ويجب علينا إما أن نؤمن بنظرية التطور الحضاري، أو ندفن رؤوسنا في الرمال كما تفعل النعامة، حتى يلتهمنا الوقت. ومن يدعي أن الإسلام يحرم على المرأة أن تتطور هي بدورها كما يتطور الرجل، بما لا يخالف تعاليم القرآن السمحة، فهو لم يفهم جيداً تعاليم الدين الذي جاء به الرسول الكريم للبشرية كافة.
المرأة نصف المجتمع، وهذا النصف إن لم يعمل ويتطور، يتوقف النصف الثاني أيضاً عن التطور والعمل. وأنا أشبه دائماً تكامل الرجل والمرأة في الحياة بعقربي الساعة، هناك عقرب أطول وأسرع من الآخر، وهناك عقرب أبطأ وأقصر، ولكن لا يمكن لأحدهما أن يعمل دون الآخر.. إن توقف أحدهما توقف الآخر، وتوقف معهما الزمن!