تقليد جميل تشجع عليه وتتبناه القيادة الحكومية، من أعلى قمتها الهرمية إلى أصغر المؤسسات، ألا وهو تكريم المتميز لجهوده التي يبذلها أو بذلها، ولحثه على المزيد من العطاء والتميز.

فلا يمر يوم دون أن نرى مؤسسة هنا وهيئة هناك تكرم المتميزين من أبنائها، تشجيعا لهم على المزيد من العطاء، وتحفيزا للآخرين على أن يسيروا على الخطا نفسها.

ولا شك أن التكريم له مفعول السحر في نفس الإنسان، خصوصا المخلص الذى بذل جهدا حقيقيا يستحق الإشادة. والتكريم مهما صغر حجمه، لا شك أن له دورا مهما، ليس فقط للشخص المكرم، بل للآخرين لكي يبذلوا المزيد من الجهد، حتى لو اقتصر التكريم على كلمة طيبة أو إشادة معنوية بسيطة.

ولنا أسوة في صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذى يحرص دوما وبنفسه، على تكريم المتميزين من موظفي الإدارات الحكومية، لإدراكه أن المخلص يجب أن يكافأ، ولحث الآخرين على أن يسيروا على خطا المتميز. هكذا ضربت الإمارات أنموذجها.

هذا التقليد الجميل، كثيرا ما تتجاهله بعض المؤسسات الحكومية والخاصة، وكثيرا ما يهمل من قبل بعضها، أحيانا بقصد وأحيانا نتيجة لامبالاة من قبل الرؤساء الذين يعتقدون أن نجاح مؤسستهم، هو نتاج تخطيطهم الفردي واستراتيجياتهم العظيمة وعملهم الدؤوب الشخصي، وأنه لولا وجودهم على رأس تلك المؤسسة لما وصلت إلى ما وصلت اليه، ولولا عملهم الفردي لما تميزت المؤسسة.

هؤلاء يهملون بقصد تارة، وبغير قصد تارة أخرى، جهد الفريق الذى عمل معهم لسنوات، تماما كما ينسون جهد المؤسسين الأوائل والموظفين الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة تلك المؤسسة. إن هذا الموقف غير المبالي بأهمية الموارد البشرية في المؤسسات، هو أحد أهم أسباب قلة الإنتاج والشعور بعدم الرضى الوظيفي والإحباط بين الموظفين.

ودليل على انقطاع الصلة والتواصل بين أعلى القمة وبين القاعدة، بين رب العمل والمرؤوسين. مؤسسة وطنية كبرى غادرها أكثر من عشرة مواطنين دفعة واحدة (هذا في احد أقسامها فقط)، وذلك عندما فتح باب التقاعد الاختيارى للمواطنين ممن أمضى 30 سنة أو أكثر. إلى هنا والأمر عادي.

ولكن اللافت ، هو أن خروج هذا العدد الكبير لم يحرك في تلك المؤسسة ساكنا. فلم تسعَ مثلا إلى معرفة أسباب الهروب الجماعي، أو تكريمهم تكريما لائقا، أو حتى إقامة حفل وداعي لهم أو تقديم هدية رمزية كدرع المؤسسة مثلا، على الرغم من أنها تعودت من قبل على تكريم كل موظف أجنبى يغادرها، حتى لو لم تمضِ سنة على وجوده!

هذا الموقف من قبل تلك المؤسسة، أشاع جوا من الإحباط لدى الموظفين الذين لا يزالون على رأس عملهم، خاصة وهم يرون زملاء مهنة وقد غادروا دون أي تكريم أو حتى كلمة وداع.

 وكما أشاع ذلك الموقف جوا من الإحباط، أشاع أيضا جوا من التشاؤم. فالمتبقي من الموظفين يتوقعون المعاملة نفسها حين يأتي وقت مغادرتهم، وبالتالي فلماذا العمل الجاد والإغراق في التفكير والإتقان والإبداع والإنتاج، إذا كانوا سيلقون المعاملة نفسها؟

إن هذا مثال لمؤسسة لا تقدر مواردها البشرية، ومثال أيضا لكوادر بشرية مؤهلة تركت العمل محبطة وهي في قمة عطائها، ومثال لكوادر بشرية أخرى لا تزال على رأس عملها وفي تفكيرها قضايا أخرى غير الإنتاج والإبداع والعطاء.

إن الولاء المؤسسي أخذ وعطاء، ومخطئ من يظن عكس ذلك.

والإمارات دولة عمرها الزمني قصير، وبالتالي فإن أولئك المتقاعدين من موظفيها أعمارهم تعد صغيرة، مقارنة بأعمار المتقاعدين في الدول الأخرى.

وبالعكس فإنهم الآن في قمة عطائهم وتجربتهم المهنية والعملية، ويمكنهم خدمة مجتمعهم على الأقل لمدة عشر سنوات أخرى، ولو كانت الظروف أفضل لما اختارت نسبة كبيرة منهم التقاعد وسيلة نهائية.

هذا الوضع يطرح أيضا تساؤلا كثيرا ما يطرح، وهو لماذا تتهاون بعض المؤسسات الوطنية بالكوادر المواطنة المؤهلة تأهيلا عاليا؟

ولماذا تتقاعد أعداد كبيرة سنويا من هؤلاء المواطنين المؤهلين؟ ولماذا يشعر عدد كبير من تلك الكوادر بعدم الرضى الوظيفي وهم على رأس عملهم؟ ولماذا لا تستْغل تلك الكوادر المؤهلة بعد تقاعدها، في التدريب أو الاستشارات عوضا عن أن نأتي بخبير أجنبي؟

المؤسسة التي تحدثنا عنها هي أنموذج لمؤسسات كثر تكبدت مبالغا كبيرة في تأهيل المواطنين، ثم تخلت عنهم بكل سهولة. كما أن هذه المؤسسة هي مثال لمؤسسات تشتكي على الدوام من عدم قدرتها على جذب مواطنين جدد أو الحفاظ عليهم متى ما توظفوا لديها.

وهي أيضا مثال لمؤسسات تحاول التأقلم مع المتغيرات في سوق العمل والمتغيرات التي طرأت على نوع العمالة، بلوائح متغيرة وأوامر متخبطة وتشريعات تتغير بصورة دورية، الأمر الذى يحدث بلبلة بين صفوف الموظفين الجدد.

ويشيع جوا من عدم الاستقرار بين الموظفين القدامى، ويبعث نوعا من المرارة بين صفوف الموظفين المخضرمين وهم يرون من هم أقل منهم قد وصلوا إلى مناصب لم يستطيعوا هم، على الرغم من خدمتهم الطويلة، الوصول إليها.

إن التوطين والحفاظ على الموارد البشرية المواطنة واستغلالها الاستغلال الأمثل، ليس فقط هاجسا مجتمعيا، بل هو قضية وطنية حقيقية. فالتوطين مرتبط بملفات كبرى نحاول جادين إيجاد الحلول لها، ولن نستطيع ذلك دون تدارس هذه القضية بجدية تامة بين القمة والقاعدة. ولن نحيد عن جادة الصواب إن قلنا إن هذه القضايا مرتبطة بالأمن القومي.

إن الإمارات وهي تحتفل قريبا بالذكرى الأربعين لاستقلالها، يحق لها أن تفتخر بكل ما حققته من منجزات مادية، كما يحق لكل مواطن أن يفتخر بما حققته الكوادر المواطنة المخلصة على مدى سنوات عمر الاتحاد، وبالتالي فهي تستحق التكريم والإشادة، سواء أكانت لا تزال على رأس عملها أو تقاعدت. بهذا نكون قد أوفينا حق الاتحاد وأوفينا حق كل مواطن مخلص عمل لرفعة الوطن.