النسبة التي أسفرت عنها نتيجة مشاركة أعضاء الهيئات الانتخابية في عملية اختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في الانتخابات الأخيرة.
لم تكن نسبة ضعيفة وحسب، بل كانت أيضاً نسبة سلبية لواقع الحراك السياسي الشعبي والدور المفترض أن تقوم به الدولة بمؤسساتها المضطلعة بذلك ومؤسسات المجتمع المدني، في عملية تثقيف المجتمع بأهمية الانتخابات وأهمية المشاركة في إنجاحها.
فتلك النسبة المتراجعة، دليل واضح على أن مثل تلك المؤسسات لم تؤد دورها المفترض أن تقوم به خلال الفترة الزمنية منذ خطاب التمكين لرئيس الدولة في العام 2005، والذي انطلقت على إثره أولى التجارب الانتخابية في الدولة لاختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في العام 2006.
إن خبرتنا السياسية ودراستنا لواقع التجربة الانتخابية الثانية توضح لنا، ومن دون أدنى شك، أن هناك مشكلات إجرائية وأخرى موضوعية، هي التي أدت إلى الخروج بهذه النسبة الضعيفة والسلبية للانتخابات الأخيرة.
ولعلنا لا نود أن نُدخل القارئ في متاهات مثل تلك الإشكالات، إلا أننا على استعداد كامل كأكاديميين وباحثين في الشؤون السياسية والاجتماعية، أن نوضح تلك الإشكالات أمام كل من يهمه الأمر، إذا كان هذا الأخير مهتما حقاً بأخذ آراء المختصين من أبناء الإمارات في هذا العمل الوطني، الذي من المفترض أن يمس حياة كل إنسان على أرض هذا الوطن، ويكون أبناؤه في مقدمة المساهمين في إنجاحه بالشكل العقلاني الذي يخدم مصالح الدولة.
لكن النقطة الأساسية التي نود إثارتها هنا، هي الإخفاق الرسمي وغير الرسمي في عملية تثقيف المجتمع بأهمية الانتخابات والمشاركة السياسية. مثل هذا الدور كان مفقوداً حقيقة على مختلف الأصعدة. لقد أنشأت الدولة مؤسسة وزارية تتولى هذه المهمة، إلا أن هذه المؤسسة قد أخفقت في تحقيق هدفها في هذا المجال الحيوي والمهم.
لقد كان الهدف أن تعمل هذه المؤسسة على خلق الوعي السياسي والتأسيس لثقافة انتخابية بين أفراد المجتمع، إلا أن النسبة الضعيفة والمتراجعة عن نسبة المشاركة في الانتخابات الأولى، توضح وبشكل جلي، أن هذا الهدف أو هذه المهمة لم يتم العمل عليها بشكل صحيح. ونحن لا نلقي اللوم كله على تلك المؤسسة، ولكن نعتبر أنها لم تؤد دورها المطلوب منها في مسألة مهمة جداً كهذه المسألة.
نعم، الجهات الأخرى كالجامعات والمدارس ومؤسسات المجتمع المدني، هي أيضاً لها دور في بروز مثل تلك النسبة الضعيفة والسلبية في المشاركة السياسية في الانتخابات الأخيرة، إلا أنه من المفترض أن تلعب وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني دورها في توجيه تلك المؤسسات بضرورة تثقيف المجتمع بالعملية الانتخابية، من خلال وضع برامج تعزز روح المشاركة السياسية على مختلف الأصعدة. فالمواطن لا يمكنه أن يحس بقيمة الانتخابات إلا إذا رأى أن هناك جدوى من مثل تلك الانتخابات.
وهذه الجدوى لا تتأثر بسبب تراجع دور المجلس الوطني، بل بسبب تراجع ممارسة المشاركة عبر الانتخابات على المستويات المختلفة في حياته، فمفهوم المشاركة عن طريق الانتخابات هو مفهوم غامض بالنسبة له. فهو يخرج من البيت وكأنه لا يحمل غريزة المشاركة، ويأتي إلى المدرسة من دون أن تغذى فيه مهارة المشاركة، ويذهب إلى الجامعة .
ولا تجد الجامعة ما تعززه في روحه من مفاهيم للمشاركة، ويختلط بمجتمع العمل فيرى أن المشاركة مفقودة، وحتى في المؤسسات التي من المفترض أن تكون مدنية الطابع من خلال سعيها لأخذ أسس الدولة المدنية في الحسبان، لا يجد ما يمكن أن يساهم من خلاله في دفع روح المشاركة لديه.
فإذا كنا قد أخفقنا في خلق بيئة تعطي أهمية للمشاركة مع الآخرين، في العمل على تحقيق الأهداف بروح من المسؤولية تجاه الوطن، فإننا يجب أن لا نتفاجأ بتراجع النسبة في أقل من خمس سنوات بمستوى كبير جداً، بحيث نصل إلى نسبة 28%، رغم أن البعض قد يحاجج بأن وجود 130 ألف ناخب من المفترض أن لا يجعل التراجع بهذا الحجم.
ولكن الحقيقة هي أن هذا العدد قد يكون عينة ممثلة لمجتمع الإمارات إلى درجة معينة، فإخفاق هذا العدد بهذا الحجم من الإخفاق الكبير، هو مؤشر على أن النتيجة كانت ربما ستكون بنفس الحجم لو كانت لعدد أكبر من ذلك.
لقد مرت الانتخابات الأخيرة وأظهرت ما أظهرت من نتائج، من دون أن تحرك فينا نحن أصحاب الحقل الأكاديمي في الجامعات المنتشرة في الدولة، ولا في أصحاب المراكز البحثية المتعددة والمترامية الأطراف في الدولة، فضول دراسة مثل هذه الظاهرة أولاً بأول.
فكما خلت مراكز الاقتراع من العدد الأكبر من أعضاء الهيئات الانتخابية، فإن أبواب تلك المراكز خلت أيضاً من الباحثين الذين كان من المفترض أن يكونوا هناك، يجرون دراساتهم لقياس مؤشرات الرأي العام حول تلك الانتخابات، لاستنباط نتائج تفيد العملية في مسيرة تطويرها.
فالباحثون والأكاديميون ظلوا على ما يبدو ينتظرون التوجيه أن يأتيهم، رغم أن مهمتهم في البحث العلمي هي دراسة الظواهر والمشكلات المجتمعية المختلفة وفقاً لاهتماماتهم، من دون انتظار موجه لذلك.
صحيح أن أهمية تلك الانتخابات كانت تقتضي من الجهات الرسمية المعنية، التعاون مع مؤسسات بحثية وطنية لإجراء دراسات من ذلك النوع تساير عملية الانتخابات، إلا أن ذلك التعاون لا يبدو أنه قد أتى وللأسف الشديد. لذلك فالنتيجة هي أنه لم يأت الناخبون، ولم يأت الباحثون، ولم يأت التثقيف للناخبين ولا التوجيه للباحثين، وما جاء هو نسبة مشاركة ضعيفة وسلبية!
وكل ما نخشاه هو أن يأتي العام 2015 وتجرى الانتخابات من جديد، ونعود ونتكلم عن فقدان تلك العناصر مرة أخرى، ونعود للحديث عن الدور المفقود.