تبلورت "المعارضات" السورية المتعددة، والتي أعلنت عن نفسها خلال الأشهر الستة الأخيرة، وتجمعت بعد تبلورها في معارضتين اثنتين، بعد عديد المؤتمرات التي عقدت في الخارج باسم المعارضة السورية، مثل مؤتمر أنطاليا، وإسطمبول، وبروكسل، وباريس، وغيرها، حيث كان يدعي كل منها أنه المعارضة الحقيقية، وأن له امتدادات في الداخل السوري.
استعاض السوريون المعارضون عن هذه المؤتمرات بمؤتمرين اثنين: الأول عقد في دمشق قبل ثلاثة أسابيع، والثاني عقد في إسطمبول قبل أسبوع. واتخذ كل من المؤتمرين اسم المجلس الوطني، سواء مؤتمر الداخل (دمشق) أم مؤتمر الخارج (إسطمبول).
كما أن كلاً منهما ادعى أنه هو المعارضة الحقيقية الأوسع، والأكثر فعالية والمؤيدة من الانتفاضة الشبابية والحراك الشعبي، وأن له امتدادات في الداخل والخارج، كما أن كلاً منهما أقر برنامجه وأهدافه وخارطة الطريق الخاصة به.
ضم مؤتمر الداخل، الذي عقد يوم السابع عشر من سبتمبر في إحدى ضواحي دمشق، خمسة عشر حزباً معارضاً، بالإضافة إلى شخصيات ثقافية وسياسية معروفة، ومشاركين من التنسيقيات التي تقود المظاهرات. وقد عقد جلساته علناً ولمدة يوم واحد، وأصدر بياناً ختامياً محوره "لاءات ثلاث" هي: لا للعنف، ولا للطائفية، ولا للتدخل العسكري الأجنبي. ونادى بإسقاط ما سماه النظام "الاستبدادي القمعي الأمني الفاسد".
ولم تحاول السلطة السورية منع انعقاد المؤتمر، على غير عادتها، وقالت أوساط المؤتمر إنها (أي الأوساط) راهنت على ضعف موقف السلطة السورية فيما إذا أرادت منع المؤتمر، باعتباره مؤتمراً علنياً لمعارضة سلمية، أعلن مكان انعقاده وزمانه مسبقاً، في الوقت الذي تدعي السلطة فيه أنها بدأت الإصلاحات، وأنها تدعو المعارضة للحوار.
وعلى أية حال، لم يتعرض أحد للمؤتمر، الذي ناقش المشاركون فيه كل شيء بالجرأة والوضوح والصراحة التي تتناسب مع عمق الأزمة السورية وخطورتها، وانتخب مجلساً مركزياً من ثمانين عضواً، وقام المجلس بدوره بانتخاب 25 عضواً هم أعضاء المكتب التنفيذي، أكثر من نصفهم ممثلون للأحزاب التي شاركت في المؤتمر، وقد سمت هذه المعارضة نفسها "هيئة التنسيق"، باعتبارها هيئة تنسيق بين الأحزاب الخمسة عشر المنضمة تحت جناحها، فضلاً عن الشخصيات المستقلة.
أما المؤتمر الثاني، الذي سمى نفسه المجلس الوطني السوري، فقد عقد في إسطمبول يوم السبت الأول من أكتوبر، وشارك فيه الإخوان المسلمون وتيارات إسلامية أخرى، وإعلان دمشق الذي يضم حزباً عربياً واحداً هو حزب الشعب وأربعة أحزاب كردية وحزبا آشوريا، فضلاً عن شخصيات سورية مستقلة تعيش في أوروبا. وناقش المؤتمر خلال يومين الشأن السوري.
والأزمة السورية، وأصدر بياناً أهم ما فيه أمران: الأول المطالبة بإسقاط النظام السوري بكامله، بما في ذلك رأسه، كما قال البيان، والثاني العمل على أن يقوم المجتمع الدولي بحماية المدنيين السوريين. وأشار إلى أنه ينتظر الاعتراف الدولي به في وقت قريب، وأنه سيختار قيادته خلال أسبوع، بعد الاتفاق على المحاصصة بين الأطراف المشاركة، وأكد بدوره أنه يمثل المعارضة السورية في الداخل والخارج.
إن دراسة كل من بياني المؤتمرين، تظهر تشابه مواقفهما الواسع من مختلف القضايا السورية المطروحة، باستثناء أمرين أساسيين، وبعض الأمور الثانوية. والأمران هما أن مؤتمر إسطمبول شدد على إسقاط النظام السوري بالمطلق (من رأسه حتى أخمص قدميه)، كما اتخذ موقفاً ملتبساً وغير واضح من التدخل العسكري الأجنبي.
واستعاض عن الطلب الصريح والمباشر لهذا التدخل، بأن دعا لحماية المدنيين السوريين. أما مؤتمر دمشق الذي طالب "بإسقاط النظام الاستبدادي القمعي الفاسد"، فقد اعتبر مؤتمر إسطمبول هذا القرار موقفاً رخواً تجاه النظام، وربما متواطئاً معه ويخفي "صفقة في ثناياه".
بينما يتهم مؤتمر دمشق صنوه مؤتمر إسطمبول، بأن عبارة حماية المدنيين التي أشار إليها، ستتحول إلى طلب للتدخل، كما كان الأمر في ليبيا. وهناك أمور ثانوية تشكل خلافات بين قرارات المؤتمرين، مثل زعم كل منهما بأن الداخل يؤيده، وأنه يحظى بدعم تنسيقيات الاتنتفاضة والحراك الشعبي، وما يشبه ذلك.
لوحظ أن الإعلام العربي والدولي اهتم اهتماماً استثنائياً بمؤتمر إسطمبول، فنشر أخباره، وأشهره، وعقد الندوات حوله، بينما لم يهتم كثيراً بمؤتمر دمشق، مع أنه يضم معظم الأحزاب السورية المعارضة، وأهم الشخصيات الوطنية، وكان ربع أعضائه من شباب الحراك والتنسيقيات، وهذا ما تفسره "هيئة التنسيق الدمشقية" بأن مؤتمر إسطمبول على علاقة ببعض القوى الخارجية، التي تدعمه.
وتعلن عنه، وتسهل طريقه، وتضع وسائل الإعلام في خدمته، لأنه سيكون يوماً ما "حصان طروادة" إذا أرادت التدخل العسكري في الشؤون السورية، خاصة وأن أعضاء مؤتمر إسطمبول تجنبوا حتى الآن، رفض نيتهم طلب المساعدة العسكرية الخارجية، وأجابوا عن هكذا سؤال بأجوبة ملتبسة، ليس بينها رفض المساعدة العسكرية صراحة، كما لم يفسروا معنى أو ماهية عبارة حماية المدنيين التي طالبوا بها، ومدى علاقتها بالتدخل الخارجي.
لا يبدو حتى الآن أن هناك نوايا أو مساعي لتوحيد المعارضتين، لتباين مواقفهما من النظام ومن استدعاء التدخل العسكري، وعليه فمن المتوقع أن تبقى كل من المعارضتين تكيد للأخرى، وربما سوف تتهمها بتهم كبيرة مستقبلاً. ويخشى بعض المعارضين أن يشغلهما صراعهما عن مقارعة النظام.
كما كان الحال لدى معارضات عربية عديدة، ومنظمات عربية كثيرة، من المفترض أنه كان لها هدف واحد موحد. وذلك على عكس المواقف الدبلوماسية التي تصدر الآن عن كل من الطرفين، والتي تشير إلى القبول والتسامح والرغبة في التعاون.