هل يضحي تذكر المغفور له بإذن الله، رمز الشهامة والنخوة والأبوة العربية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في هذه الأيام أمرا واجب الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة؟

أغلب الظن أن ذلك كذلك، وليس أدق من تعبير الكاتب والمسرحي الكبير جورج برناردشو الذي قال فيه "إنه عند العاصف يلجأ المرء إلى أقرب مرفأ"، والمرفأ هنا في حالة الالتباس واللغو والاضطراب العربي، يتمثل في الرجوع إلى حرب أكتوبر المجيدة التي تحل ذكراها هذه الأيام، والتي كانت آخر مشاهد التجلي العربي الواحد في القرن المنصرم.

في حرب "يوم الغفران" ظهر العرب قلبا وروحا واحدا، وبات الغالي والنفيس ملكا للأمة المحاربة على شط قناة السويس، كل بما قدر له أن يمتلك.

لدى تذكر المرء لحرب أكتوبر المجيدة، نستعيد لحظات من أجمل وأنصع ما كتب في دفاتر التاريخ العربي المحدث والحديث، وفي مقدمة تلك السطور مقولة الشيخ زايد رحمه الله، التي كانت ولا تزال تملأ الآفاق، حين قال إن "النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي".

فعندما تدفق السلاح عبر الجسر الجوي الأمريكي إلى إسرائيل، أوفد زايد وزير النفط الإمارتي حاملا توجهات بلاده بقرار قطع النفط نهائيا عن الدول التي تساند إسرائيل، الأمر الذي أدى لأن تقطع الإذاعات العالمية إرسالها، لتعلن هذا النبأ. فقد كان القرار بداية لمعركة النفط، وعندها تلقى الشيخ زايد التهديدات بأن عليه أن يتحمل تبعات ذلك القرار، لكن الرجل كان راسخا كالطود، ومصرحاً بالقول: "إن الذين قدموا دماءهم في معركة الشرف، قد تقدموا الصفوف كلها، وإن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي". ومضيفاً: "إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى، فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية النفط وأن نعود إلى أكل التمر".

والحاصل أن شأن إيقاف النفط غداة حرب العام 1973، كذراع عربية خليجية متضامنة وداعمة لدول المواجهة العربية في صراعها مع إسرائيل، لم يكن أمرا يسيرا، بل كانت هناك مخاطر حقيقية تحدق بالقائمين عليه.. ماذا عن ذلك؟

واقع الأمر أن الحديث هنا يطول عن الوثائق البريطانية التي كشف عنها مؤخرا، وفيها خطط غربية، أمريكية ـ بريطانية بالدرجة الأولى، لاستخدام القوة للاستيلاء على حقول النفط في الشرق الأوسط أثناء فترة الحظر.

والشاهد أن بريطانيا قد أعدت تلك الخطط بالشراكة مع أطراف غربية عدة، وفيها استخدام للقوات الأمريكية المحمولة جوا، للاستيلاء على منشآت النفط في السعودية والكويت ودولة الإمارات. وبجانب ذلك فقد كانت هناك خطط أخرى للإطاحة بالحكام العرب، وتولي حكام "أكثر مرونة"، أو إظهار القوة عن طريق "دبلوماسية السفن الحربية"، وقد حمل ذلك السيناريو الذي نشير إليه باقتضاب بالغ، اسم "السيناريو الأسود". لكن ذلك كله من مؤامرات ودسائس ومكائد، لم يكن ليزعزع إيمان رجال يعملون بحزم ويفكرون بعزم، من أمثال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

هل من شبه أو وجه شبه بين حال العالم العربي في أكتوبر من عام 1973 والحالة هذه التي نحن عليها اليوم؟

حتما، إن الفارق شاسع والهول كبير جدا، والمخاوف من أن نكون بالفعل في خضم سيناريو ثالث للتقسيم العربي، قائم ولا شك، وعلى هذا الأساس يبقى حتما استعادة روح أكتوبر قادة وشعوبا.. لكن ماذا عن تلك الروح؟

لم تكن مصر تمتلك غداة السادس من أكتوبر، ترسانة من الأسلحة التقليدية ولا النووية كما كانت إسرائيل، غير أنها كانت تمتلك الإرادة القادرة والقاهرة للسلاح، هذه الإرادة التي تجلت في عزيمة الرجال الذين بسواعدهم حطموا خط بارليف، الذي قال عنه الخبراء الروس إنه في حاجة إلى قنبلة نووية لهدمه، وكانت إرادة المصريين أقوى وأفعل، وكان العقل المصري حاضرا يستند إلى خبرة آلاف السنين من الحكمة والجلد والصبر.

يكتب المؤرخ العسكري "تريفور ديبوي" رئيس مؤسسة هيرو للتقييم العلمي للمعارك التاريخية في واشنطن، يقول: "إنه نتيجة للقتال المشرف والتضامن العربي، وتفعيل سلاح النفط في حرب أكتوبر، استرد العرب كبرياءهم وثقتهم بأنفسهم، مما أدى إلى تدعيم النفوذ العربي على الصعيد العالمي بشكل عام".

ما الذي حدث في السادس من أكتوبر على وجه الدقة؟

يجيب الروائي المصري الكبير الراحل نجيب محفوظ، في كلمات أقرب ما تكون إلى عبارات المؤرخ، إن ما جرى "ثورة وليس معركة وحسب.. فالمعركة صراع قد ينتهي بالنصر أو بغيره.. ولكن الثورة وثبة روحية تمتد في المكان والزمان حتى تحقق الحضارة.. إنها رمز لثورة الإنسان على نفسه وتجاوزه لواقعه، وتحديه لمخاوفه ومواجهة أشد قوى الشر عنفا وتسلطا.. إن روح أكتوبر لا تنطفئ، فقد فتحت لنا طريقا بلا نهاية.. ليس العبور سوى أول قفزة في تيار تحدياته...".

ألسنا حقا في حاجة ماسة اليوم في العالم العربي لاستلهام تلك الروح، ولتحقيق وثبة آنية على منعرجات ومنعطفات وعقبات الحاضر، وصولا لعبور الإنسان العربي إلى بر الأمان؟