بين القيادة والشباب آصرة تواصل وتلاقٍ، نسجتها فلسفة العلاقة الراقية بين القيادة والشعب عموماً، وهي فلسفة تقوم على حجز الشباب لقمة أولويات الاهتمام، في وطن يعلم قيمة الشباب ومستقبلهم وضرورتهم في حراك النهضة والتطور والبناء.
هذه الحقيقة تترجمها وتدل عليها آلاف المبادرات التي تخص الشباب وتتوجه لهم، وتعلي من مكانتهم الاجتماعية، وتضع اهتماماتهم ضمن دائرة القرارات والمشاريع والخطط، بل تضع أفكار الشباب في بؤر المتابعة والمساندة والدعم على الدوام.
ولذلك كانت دعوة القيادة مستمرة نحو الشباب، لأن يسعوا إلى إثبات وجودهم في المواقع التي يشغلونها كي يرتقوا إلى المراكز الأعلى في الوظيفة، وأن يجتهدوا ويثابروا في العمل والعطاء، لأجل أنفسهم أولاً، ولأجل الوطن الذي يعطيهم دون منة أو حساب، ثانياً.
وبالتأكيد فإن القيادة تنظر إلى جميع أفراد الشعب، والشباب خاصة، كأبنائهم الذين تهمهم مصلحتهم وتغار على مستقبلهم دون منة، فالوالد لا يمنّ على أبنائه إن غلبته الشفقة عليهم، بل يحزنه أن يضيع أبناؤه من بين يديه دون اهتمام منهم. هذه الاستراتيجية والنظرة الأبوية بين القيادة الرشيدة والشباب، تنطلق من مبدأ أصيل يرى الاستثمار في البشر أنه خير من الاستثمار في الحجر، والاستثمار في الشباب غرس في عماد البناء وركيزة التنمية ومحورها وبناة المستقبل.
ولا أدل على ذلك من تلك الرسالة الأبوية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خلال أحد لقاءاته مع الشباب في كلمات تفيض إنسانية، حين قال: "إنها لحظات سعيدة من حياتي حين ألتقيكم، وأنا اليوم في قمة سعادتي".
فالقيادة التي لا ترى في الدنيا أغلى من رؤية أبنائها من شباب الوطن، هي قيادة تستحق مبادلتها بالبر وحسن الامتثال بما يكافئ هذا الحب، ولا تفرط في ذاتها وتضيعها في لحظة تفجع بها الوطن قبل أن تفجع الأقربين. قبل أيام غيب الموت شاباً من شبابنا في حادث مؤسف أليم، ترك غصة في قلب الوطن، وسجل ألم فراقه الجميع قيادة وشعباً، وما زاد من حسرة الفراق، وإن كان الموت حقاً، أنه كان يتستر وراء لا مبالاة شبابية تمثلت في قيادة السيارة واستخدام الهاتف أثناء ذلك، ليخطف الموت ذياب عوانه رحمه الله، وهو من المواهب الرياضية الشابة التي كان يعقد الوطن عليها الكثير من الآمال.
وقد ظهرت العاطفة الأبوية الجياشة حين قدمت القيادة بأعلى رموزها العزاء لآل الفقيد، راجية بالطبع أن لا تتكرر مثل هذه المآسي مع غيره من الشباب، وأن يبعد عنهم شبح الموت إلا ما قدره الله تعالى. ربما قصة ذياب ليست الأولى.
وبالتأكيد لن تكون الأخيرة ما دام هناك بين الشباب من يعتبر حياته أهون ما يملك، ولا يعلم أنها أغلى كنوز الوطن، وما دام هناك من الشباب من يغازل الموت على الطرقات وكأن الحياة ضاقت به، ولا يعلم أنه حاضر الأمة ومستقبلها، وسنبقى نفجع بمثل هذه القصص، ما دام هناك بعض الشباب لم تصلهم بعد رسالة الخوف الأبوي عليهم من القيادة الرشيدة، وحسرتها على ثمرات الوطن التي تسرقها أرصفة الطرقات.
كل شاب على ثرى هذا الوطن كنز أثير يملكه جميع الوطن، فرحته فرحة للجميع وغصته غصة للجميع، لا فرق بين واحد وآخر، لأن الجميع دعائم النهضة وزاد المستقبل، فلماذا لا يقابل الشباب هذا الحرص الأبوي بمسؤولية تكافئ جميل الوطن فتحافظ على حياتها وتستثمر عمرها؟ لماذا لا يتذكر الشباب سلسلة النور التي حملت في مفاصلها آلاف الأمثلة من صبر الآباء والأجداد على شظف العيش وظروف الحياة القاسية، وقدموا أنفسهم مكافحين صابرين ليعيشوا بكرامة وصحة ويحافظوا على وطنهم وينشئوا أسراً مستورة وعزيزة؟
لماذا يغمض بعض الشباب أعينهم عن نعيم الدولة التي وضعت مكتسبات الدنيا والعالم الراقي بين أيديهم، لتجعلهم من خيرة أبناء المعمورة لا ينقصهم شيء ولا يكدر عيشهم مكدر، ليقطفوا في ظلال من الراحة ثمار ما زرع الآباء والأجداد، ويتنعموا برغد العيش بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل القيادة التي تسهر على راحتهم وتوفّر كل مقومات وأسباب العيش الكريم والتعلم والتدريب والعمل والصحة والكرامة الإنسانية المستمدة من كرامة وعزة الوطن؟
ألا تستحق الدولة من مواطنيها، بما قدمته وتقدّمه لشعبها وللشباب خاصة، بذل كل جهد للتعبير عن انتمائهم إليها وولائهم لقيادتهم الرشيدة التي تجعل الارتقاء بالمواطن في قلب اهتمامها وعلى قمة أولوياتها؟ والغريب أن الوطن متمثلاً بقيادته الرشيدة، لا يطلب من الشباب أن يهلكوا أنفسهم، بل إنه يسعى وراءهم ليحافظوا على أرواحهم، وهي مفارقة تستحق الوقوف عندها والتأني في تناولها، لا سيما من شبابنا ليعلموا أن حياتهم كنز وطني يؤلم فقدانه الجميع، ونتمنى أن يأتي اليوم الذي لا نسمع فيه عن طريق ابتلع شاباً من شبابنا، أو أضاع زهرة حياته وأسلمه للعجز والإعاقة، في لحظة غفلة أو تهور.