راح كتاب مقالات الآراء الليبراليون، فجأة ودون سابق إنذار، ينتقدون، بل ويسخرون من الرئيس الأميركي باراك أوباما، ويعتبرونه رئيساً لفترة رئاسية واحدة، واحدة فقط.

 وقد صرح الديمقراطيون الوسطيون، الذين يسعون إلى إعادة انتخابهم عام 2012، بقلقهم إزاء السماح لرئيس مشابه بالدخول إلى دوائرهم الانتخابية، خشية أن يفقدهم من يفترض أنه المنبوذ الجديد، بعض الأصوات. ويعمد اليساريون، من مفكرين وحماة بيئة وأكاديميين، إلى صب جام غضبهم على أوباما لأنه.

كما يقال، بالغ في لينه مع الجمهوريين وفي استعداده لتقديم التنازلات لليمينيين. ولكن ما السبب الحقيقي وراء غضب اليساريين بعد أقل من ثلاث سنوات من الإعجاب المرتبط بمقولة «الأمل والتغيير» الذي كانوا يكنونه لباراك أوباما؟

في الوقت الحالي، السبب هو الانتخابات. فقد تراجعت شعبية أوباما إلى نسبة تأييد أكثر بقليل من 40%. وعلى نحو مفاجئ، يخشى الديمقراطيون أن يكون الغضب العام مرضاً معدياً، ويحتمل أن تنتقل العدوى إليهم، بالطريقة نفسها التي أضر بها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، الذي كان آخذاً في الغرق بجمهوريي الكونغرس الذين كانوا يطمحون لأن يتم انتخابهم مجدداً عام 2006.

ومع ذلك، ليس من العدل أن يقوم الجمهوريون بإلقاء اللوم على أوباما، ففي النهاية، هو من أصر، في تصويت حزبي صارم، على تحقيق الحلم بسيطرة الحكومة الفيدرالية على نظام الرعاية الصحية.

وهو الحلم الذي راود الليبراليين منذ قرن من الزمان، وعجز عن تحقيقه ثلاثة من الرؤساء الأميركيين السابقين، هم هاري ترومان وليندون جونسون وبيل كلينتون. ولم يحلم الكينزيون قط برئيس يقوم باقتراض 5 تريليونات دولار للإنفاق المحلي، في غضون أقل من ثلاث سنوات.

وعلاوة على ذلك، حاولت إدارة أوباما إيقاف مصنع جديد لشركة بوينغ، استناداً إلى الحجة الواهية القائلة إن ذلك سيحد من قدرة الشركة على توظيف عمال نقابيين في أي مكان آخر. وبخصوص حماية البيئة، أبقى أوباما منتجي النفط بعيداً عن الحقول الجديدة في ألاسكا وغرب أميركا والخليج، وغيرها من المواقع البحرية.

فيما تبددت مئات المليارات من الأموال الفيدرالية المقترضة، على محطات «طاقة الرياح والطاقة الشمسية»، في محاولة لإطلاق «ملايين الوظائف الخضراء».

أما ثورة أوباما السرية فقد كانت أكثر غدراً، حيث قدمت الحكومة الأميركية وعداً لنشطاء فتح الحدود، بعدم إزعاج الأجانب غير الشرعيين، ما لم يكونوا مطلوبين لارتكاب جنايات. ولم يحدث من قبل قط أن انضمت الولايات المتحدة إلى حكومة أجنبية لمقاضاة إحدى ولاياتها، كما حصل عندما قامت كل من وزارة العدل الأميركية والمكسيك برفع دعاوى مشتركة، بهدف إلغاء قانون الهجرة في ولاية أريزونا.

ومن بداية عام 2009 حتى نهاية 2010، قدم أوباما الحلم الليبرالي بحماس لم يشهد له مثيل، منذ أيام «النهج الجديد» الذي أقره الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت. لقد جرف كل معارضة واجهته، وصمم على تحقيق معظم ما أراده من الكونغرس الديمقراطي، بما في ذلك «أوباما كير»، ومستوى اقتراض وإنفاق قياسيين، وتقليد المئات من اليساريين المتشددين مناصب رئاسية أو تعيينهم قضاة.

بعيداً عن كونه عاطفياً بشكل مفرط، فقد لاحق أوباما خصومه كما لم يفعل رئيس آخر منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون. وحث اللاتينيين على «معاقبة أعدائنا»، وسمى خصومه السياسيين بـ«محتجزي الرهائن». وفي عهده.

وضع الأثرياء وفاحشي الثراء في خانة واحدة، واستهزأ بهم من خلال وصفهم بـ«المليونيرات والمليارديرات» و«أصحاب الشركات النفاثة» و«القطط السمينة». وعمد أنصاره في النقابات وكتلة النواب السود في الكونغرس، إلى انتقاد حركة «حفل الشاي» بحرية من خلال إطلاق الافتراءات، مع التأكيد غير المعلن على أن مناداة الرئيس المستمرة بالكياسة لم تكن موجهة إليهم.

قد يسخر المنتقدون من استخدام أوباما لجهاز الملقن الإلكتروني، ولكن لا يزال ذلك الجهاز يساعد أوباما على إحداث تأثير إيجابي في خطبه شبه اليومية. ويتفوق أوباما في توصيل صوت اليساريين على سابقيه من الرؤساء الأميركيين، ومنهم جيمي كارتر، وآل غور، وجون كيري.

كما يتفوق بسهولة على السيناتور هاري ريد ونانسي بيلوسي القادرة على الاستقطاب. وبالمقارنة مع أوباما وسلاسته، قد يبدو نائب الرئيس الأميركي جو بايدن المعروف بكثرة زلاته، عائقاً. ويتمتع أوباما بشخصية كاريزمية كتلك التي يتمتع بها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، صاحب عبارة «أنا أشعر بألمك»، وذلك ما لاحظناه عام 2008، عندما تغلب أوباما على منافسته الرئيسية هيلاري كلينتون.

لذا لا يمكن لليسار أن يشتكي من أن أوباما خان القضية أو أثبت عدم كفاءته في النهوض بها. وبالعكس، فإن ما يثير غضب مؤيدي أوباما هو اهتياج الشعب الأميركي، بسبب البطالة المزمنة التي وصلت نسبتها 9%، وسوق الإسكان الذي دخل في غيبوبة، وأسعار الطعام والوقود التي تواصل ارتفاعها، والنمو الاقتصادي شبه المعدوم، وسوق الأسهم المتذبذب.

والعجز الذي أحرز مستوى قياسياً، وإجمالي الديون الذي وصل إلى 16 تريليون دولار، والخفض التاريخي في درجة الائتمان. والناخبون ليسوا غاضبين فحسب، بل ويلقون اللوم على أجندة أوباما الليبرالية، التي تضمنت المزيد من القوانين، والمزيد من الإنفاق الفيدرالي، والمزيد من الاقتراض، والمزيد من الحديث عن الضرائب، والمزيد من برامج «التحفيز».

وقد خلص شعب معظمه من المعتدلين والمحافظين، إلى أن الأجندة الليبرالية لا تروق له. وبعد ثلاث سنوات، يؤمن ذلك الشعب بأن دواء «الحكومة الكبيرة/ الاقتراض الكبير»، أدى إلى تفاقم المرض الوراثي إلى حد كبير. وعلى الرغم من أن الناخبين ربما يحبون أوباما، فإنهم بالتأكيد لا يحبون ما يستمر في محاولة القيام به.

وفي المقابل، يحتاج اليسار إلى كبش فداء، ولذلك انقلب غاضباً على أوباما بصورة غير معقولة، كما لو كان الأخير مسؤولاً عن تطبيق الأجندة التي وضعها اليساريون أنفسهم. فلو لم يقم الديمقراطيون بتحميل رسولهم، الذي أحبوه يوماً، مسؤولية غضب الرأي العام، فلن يبقى أمامهم إلا رسالتهم نفسها، وهو ما يستحيل أن يقبلوا به.