انتهت يوم 24 سبتمبر 2011 الانتخابات البرلمانية في دولة الإمارات لانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني، وشهدت جميع الإمارات توافدا محدودا على مراكز الاقتراع لم يرق إلى مستوى التطلعات ومستوى التجهيزات التي أعدت لذلك الحدث. ربع العدد الذي يحق له التصويت أدلى بصوته في هذه الانتخابات الأمر الذي يدعو إلى دراسة أسباب عزوف حوالي 70% من الناخبين عن المشاركة.

وهل كان العزوف مرده أسباب لوجتسية كالتوقيت والمكان مثلا، أم أن الأمر مرده ضعف ثقافة المشاركة السياسية أم أن هناك أسبابا تتعلق بالمرشح والناخب معا؟ فأن يحجم عن المشاركة حوالي 100 ألف ناخب علقت عليهم الآمال في تعزيز المشاركة السياسية وإضفاء الزخم على ذلك الحدث، يستحق الدراسة لمعرفة الأسباب الكامنة وراء ذلك العزوف الكبير حتى يمكن تجنبه في الانتخابات القادمة.

ثلاثين ألف ناخب هو رقم ضعيف من أصل 130 ألف ناخب علق عليهم الشارع الإماراتي الآمال في تعزيز المسيرة البرلمانية في الدولة، وهو رقم ضعيف حقا إذا ما قورن بتلك التغطية الإعلامية الكبيرة والتهيئة النفسية العالية والاستعدادات اللوجتسية الضخمة التي رافقت الحدث.

استعدت الإمارات منذ شهور طويلة استعدادا كبيرا لذلك الحدث وعملت اللجنة الوطنية للانتخابات برئاسة معالي الدكتور أنور قرقاش ليلا ونهارا من أجل وضع كافة الاستعدادات ليظهر الحدث بالمستوى الذي يليق بسمعة دولة الإمارات ويظهرها بالمظهر الحضاري اللائق الذي تستحقه.

كما أظهرت وسائل الإعلام الإماراتية بأنواعها نضجا كبيرا ومهارة فائقة في التعامل مع الحدث وأظهرت مهنية فاقت بكثير تلك التي رافقت انتخابات 2006. حتى الخطاب الديني جير من أجل خدمة هذا الهدف. فظهر من رجال الدين من حث الناخبين على المشاركة باعتبارها واجبا مجتمعيا ومن يتخلف دون عذر فهو آثم. وعلى الرغم من كل ذلك لم ترق المشاركة إلى مستوى التوقعات ولم ترق إلى مستوى الأحداث الأخرى التي تنظم في دولة الإمارات. هذا الأمر يطرح العديد من التساؤلات حول الحراك السياسي الإماراتي كما يعطينا دلالات كثيرة ومهمة يمكننا الاستفادة منها في الاستعدادات القادمة.

يمكن إرجاع أسباب العزوف إلى عوامل عدة بعضها يتعلق بالثقافة الاجتماعية السائدة وبعضها يتعلق بضعف ثقافة المشاركة السياسية واللامبالاة التي يظهرها البعض غالبا تجاه مثل هذه الأحداث المهمة. ففيما يتعلق بالثقافة الاجتماعية السائدة فقد أظهرت التجربة أن البعض يعتقد بأن مشاركته سوف تكون رمزية ولن تؤثر النتائج على مجرى حياته الشخصية أو المهنية.

وجود مثل هذا النمط من التفكير واللامبالاة التي أظهرها البعض هي أحد أهم أسباب ذلك الغياب الإماراتي عن ذلك الحدث المهم. عمليا فان أحد أهم الأسباب الذي تدعو الناخب إلى التوجه لصناديق الاقتراع هو اقتناعه التام بجدوى ذلك التصويت لتغيير مسار حياته الشخصية والمهنية للأفضل.

فإن غاب هذا الاقتناع غاب الناخب أيضا. ويعتقد أن هذا العامل كان حاسما في توجيه مسار الانتخابات الإماراتية. فعدم اقتناع الناخب بجدوى الإدلاء بصوته في تغير مسار حياته الشخصية والمهنية كان سببا هاما في غياب شريحة كبيرة من الناس عن ذلك الحدث. فوجود عبارة «وماذا سوف أستفيد من كل ذلك؟» هي عقبة يجب العمل على إزالتها تماما من قاموس الناخبين قبل الاستعداد لأي انتخابات مقبلة. إذا ضعف ثقافة المشاركة السياسية وعدم ترسخ قيمة العمل الاجتماعي العام كان سببا مهما في ذلك العزوف.

سبب آخر كما يبدو كان العشوائية في اختيار عينة الناخبين. فانتقاء عينة عشوائية دون التأكد من وجود ثقافة المشاركة السياسية بينها ساهمت إلى حد كبير في هذا العزوف. فالاهتمام بالسياسة على مستوى العالم ليست قضية عمومية ولا تهم كافة شرائح المجتمع.

كما أن حجم التصويت حتى في الديمقراطيات الضخمة لا يصل إلى أكثر من 60% في الكثير من الأحيان. لذا ساهم هذا الانتقاء العشوائي في تحييد العناصر النشطة والمهتمة بالحراك السياسي في الدولة فأظهر الانتخابات وكأنها غير مهمة على الرغم من أهميتها القصوى لعملية التنمية السياسية.

من ناحية أخرى يعتقد بأن غياب ثقافة تغليب المصالح العامة على الخاصة والضيقة كان سببا آخر مهما. فنتيجة لاعتقاد الناخب بأن مشاركته سوف تكون رمزية والرابح فيها شخص غيره وربما يكون بعيدا عن همومه الشخصية والمهنية كان سببا وجيها.

فوجود مثل هذه العقليات والتوصل إلى مثل تلك القناعات هي عقبة كأداة في سبيل ترسيخ وتعزيز المشاركة السياسية. فتلك المعتقدات يجب أن تعمل على إزالتها المؤسسات المجتمعية مجتمعة لأن وجودها لا يخدم التنمية السياسية. وأخيرا يجب التنويه إلى أن مجتمعنا على الرغم من ذلك التطور الهائل الذي أحرزه إلا أن العقلية القبلية والعشائرية لا زالت تلعب دورا مؤثرا في تحديد أولويات من يرتقي السلم إلى قمة الهرم الإداري.

كما أن حظ المرأة لا يزال يحتاج إلى جهد أكبر من قبل المرأة نفسها ومن قبل المؤسسات المجتمعية لإدماج المرأة في التنمية السياسية الذي يبدو أن المرأة لا زالت تفتقد الكثير من أساسياتها. أن بلدنا الإمارات يستحق أن نضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض من أجل تنمية سياسية نفتخر بها. فبلدنا يستحق أن نبذل الغالي والنفيس من أجل تقدمه ورفعته في كافة الميادين. فهو بلد لم يقصر يوما في حق مواطنيه فيجب أن لا يقصر المواطن في حق الوطن. ولذا على المقصر والذي لم يؤد «أمانة التصويت» أن يحاسب وعليه أن يدرك أن الوطن أخذ وعطاء وليس فقط أخذا.

فانتخاب ممثليه في المجلس الوطني أمانة فشل في أن يؤديها وعملية التصويت واجب لم يقم به وعملية الانتخاب شرف لم يهتم بالمشاركة فيه. كل ذلك يجب أن تكون نصب عين المواطن المتقاعس وهو يسعى مستقبلا لنيل امتيازات مواطنة يعتقد أنها حقه.