التنافس للحصول على حظوة في منطقة الشرق الأوسط قديم قِدم اكتشاف النفط فيها، إلا أن من حكم أغلب المنطقة أطول فترة في التأريخ، لم يكن له حظ الدخول إلى صالة المتنافسين. فالامبراطورية العثمانية التي حكمت هذه المنطقة قرابة أربعة قرون من الزمن، لم تستفد من نفطها، لأن عصر النفط لم يُطِل على العالم إلا حين بانت على تلك الامبراطورية علائم الهرَم والشيخوخة، وأصبحت جاهزة لتسليم ما استحوذت عليه للسادة الجدد القادمين من وراء البحار.
دشنت هذه المنطقة حقبة جديدة من تاريخها، حين اندحرت تلك الامبراطورية في نهاية الحرب العالمية الأولى أمام الغرب الناهض الطموح، بسهولة سمحت له بأن يرسم لوحده وبحرية تامة، خرائطها ويصنع ملامحها، ويضع مقاليد أمورها في أيدي من يحترم مصالحه ويضمن بقاءها. ولكن ذلك الغرب كان أوروبياً بحتاً، فلم تكن الولايات المتحدة آنذاك قد دخلت بعد حلبة الصراع الدولي كقوة عظمى، وكان الاتحاد السوفييتي وقتذاك يحبو في مرحلة طفولته الأولى، ولم يكن لشعوب المنطقة حينذاك سوى حصاد ما يقرره الأقوياء.
ولكن مرور بضعة عقود من الزمن، كان كفيلا بتغيير خرائط النفوذ في هذه المنطقة، حين دخل لاعبون جدد من أبناء المنطقة ومن خارجها حلبة صراعاتها بقوة. فما كادت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها حتى اندلعت سلسلة من حركات التغيير؛ انقلابات عسكرية هنا وهناك، نجح أغلبها في تغيير أنظمة الحكم التي تحالفت مع الغرب، وأرست قواعد تعامل جديدة معه.
وترتب على ذلك دخول الاتحاد السوفييتي حليفاً لهذه الأنظمة الجديدة وضامناً لسلامتها، ولاعباً جديداً يهدد بقوة نفوذ الغرب ومكانته ومصالحه. ولم يجد الغرب الأوروبي أمامه إزاء ذلك، سوى الإيغال في تبعيته للولايات المتحدة على جميع المستويات، للحفاظ على بعض ما تبقى لديه من نفوذ في المنطقة، مقابل السماح لها بأن تأخذ المكانة التي تليق بها كزعيم جديد للعالم الغربي.
بقي العالم الغربي، رغم بعض الخلافات بين دوله، متوحداً في سياسة معلنة ذات طابع دفاعي ـ هجومي في منطقة الشرق الأوسط وفي غيرها، تحت راية حلف الناتو طيلة حقبة الحرب الباردة. إلا أن سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه مطلع تسعينات القرن المنصرم، أعاد للغرب طموح الهيمنة على العالم مجدداً، عبر مساندة عمليات تهاوي الأنظمة الشمولية التي تحالفت مع الاتحاد السوفييتي، ابتداءً من أوروبا الشرقية وانتهاءًَ بالربيع العربي الذي نشهده في منطقة الشرق الأوسط.
ولكن الخسائر التي ترتبت على هزيمة الاتحاد السوفييتي لم ترثها روسيا فحسب، بل أضافت لها خسائر جديدة بسياساتها قصيرة النظر. فالدب الروسي تتوالى خسائره مع سقوط كل نظام شمولي ورث التحالف معه، وذلك لبطئه وفشله في التحرك في الوقت المناسب لتلافي الخسارة أو التقليل من حجمها. هكذا استبعدت روسيا نفسها كمنافس في بازار الحصول على مكاسب ما بعد الربيع العربي، فحلبة الصراع والتنافس على موارد المنطقة الرئيسية، قد انحصرت داخل خيمة غربية حرصت تركيا على ضمان الحضور فيها.
ولكن العالم الغربي ليس موحداً تماماً كما كان إبان حقبة الحرب الباردة، فأوروبا تتجه لتصبح كياناً قائماً بذاته، وهناك تنافس قوي بين الاقتصاد الأوروبي والاقتصاد الأميركي، وتنافس بين الدولار واليورو، وخلاف في بعض المواقف السياسية الدولية، وهناك أيضاً تباين في حجم الإعاقة التي ألحقتها الأزمة المالية العالمية الأخيرة بقدراتهما.
الحصاد المتوقع لأرباح الربيع العربي سيكون لصالح أوروبا، فقد أصبح لها حظ أكبر في الحصول على المكاسب، لقاء الدور الذي لعبته في تعاطفها وإسنادها وتوفيرها اللوجستيات الضرورية، لقربها من مسارح الأحداث في الربيعين الأول والثاني، ومن ثم قيادتها لعمليات الناتو العسكرية في الربيع الثالث.
وربما في غيره من قادم الأيام. أوروبا أكثر خبرة في التعامل مع دول الشرق الأوسط وأكثر إلماماً بثقافاتها وتاريخها، وأصبحت في الحقبة الأخيرة، وهو ما يهم شعوب المنطقة كثيراً، أقل رغبة من ذي قبل في الاصطفاف وراء سياسات ومواقف، ضد مصالح شعوبها لصالح إسرائيل.
فمع أن دول الغرب، بشكل عام، ترى أن الطريق الوحيد لإحداث تقدم ملموس نحو إرساء حل نهائي للقضية الفلسطينية، هو المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن الموقف الرسمي إزاء الطلب الفلسطيني لإقامة دولة فلسطينية، ليس متطابقاً. ففي الوقت الذي تتبنى فيه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام هذه الدولة، نرى أوروبا لا تمتلك موقفاً موحداً إزاء ذلك.
فقد حرصت فرنسا وبريطانيا على أن تمسكا العصا من الوسط وعلى البقاء في المنطقة الرمادية، حيث حذرت فرنسا مما قد يترتب على الفيتو الأميركي المتوقع من نتائج غير حميدة تنال من المصالح الأميركية في المنطقة، واقترحت صيغة وسطى للدولة الفلسطينية. من جانبها أعلنت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها، أنها ستمتنع عن التصويت في مجلس الأمن الدولي.
والحقيقة أن حلبة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ليست محصنة هي الأخرى ضد تأثيرات الربيع العربي وحسابات الربح والخسارة من جرائه. فالغموض الذي يلف الأوضاع في كل من تونس ومصر وليبيا وما قد يتمخض عنه، بدأ يدفع بإسرائيل نحو تشديد موقفها الرافض لقيام دولة فلسطينية.
ورفض العودة إلى طاولة المفاوضات بالشرط الوحيد الذي يطرحه الفلسطينيون، وهو وقف الاستيطان. فالوضع في الشرق الأوسط قد أصبح أكثر تعقيداً منذ اندلاع الربيع العربي، وبات مشهده أمام إسرائيل ضبابياً غير مستقر يصعب التنبؤ بمساراته، على خلاف ما ألفته في السابق من أوضاع مستقرة شديدة الوضوح والصفاء، يمكن التخطيط ووضع السياسات في ضوئها.
دفعت الشعوب العربية أثمانا باهظة لتأمين ميلاد ربيعها، فهل سيتحقق لها ما يوازي ما دفعته؟ فالطور الجديد لهذا الربيع لم يعد شفافاً يُصنع في ميادين التحرير، بل غامضاً تُنسج خيوطه خلف الكواليس.. ولم تعد مساراته تخضع للشعارات التي عكستها النوايا والعواطف الصادقة، بل تخضع للعبة مصالح وحسابات معقدة.