الشائع، والصحيح أيضا، أن عوالم السياسة والعلاقات الدولية قد تتحلى بالمجاملات وبعض زخرف القول والكياسة، ولكنها لا تعرف الحب الأعمى المنزه عن الهوى والأهواء، ولا الإفراط في نكران الذات.. إنها عوالم لحمتها وسداها وغايتها ومنتهاها تحقيق المصالح المنظورة وغير المنظورة، بكل جفاف وصلابة، وأحيانا بكل قسوة وغلظة قلب وتبلد.
هذا التعميم لا يصدق على نموذج التعامل الأميركي مع إسرائيل، كونه من النماذج القليلة إلى مستوى الندرة، التي يؤثِر فيها بعض كبار الفواعل الدوليين مصالح الشريك ونزقه على مصالحهم الذاتية. بل ويبدو هذا الإيثار نمطا متفردا يلامس درجة الحمق، إذا علمنا أن تعلق واشنطن بإسرائيل وإسباغ الحماية عليها، يأتى في مناسبات وأوقات بعينهما على حساب مصالح أميركية ظاهرة، أو محققا لخسائر صافية، كان يمكن تلافيها بشيء من الموضوعية والضغط اللطيف على هذا الشريك المخالف.
ما يزيد من حيرتنا وإرباكنا بالخصوص، هو أن جماعة معتبرة من المتنفذين الأميركيين، الذين مردوا على المدرسة السلوكية (المصلحية) في إدارة السياستين الداخلية والخارجية، يدركون مدى ما يعتري هذا النمط من عيوب ومجافاة للمنطق، ومع ذلك فإنهم يتفاعلون معه، ويتولون رعايته وتوريثه لمن يتقلدون مناصبهم بعد حين.. لكن نفرا من هؤلاء يدخلون في نوبة من صحوة الضمير والعقل، تجعلهم يكشفون المستور ويفيئون إلى الكلمة السوية، حين لا يعود لهذه الكلمة جدوى أو صدى في الواقع العملي، وذلك بأن يغمس هؤلاء ألسنتهم بمحلول الصدق، بمجرد مغادرة المواقع الرسمية ونهاية الخدمة وكتابة المذكرات.
في سياق نوبات المكاشفة هذه، يفصح المسؤولون "السابقون"، عن رؤاهم وتقديراتهم الحقيقية تجاه الجوانب الآثمة من علاقة دولتهم العظمى بإسرائيل. وهنا نعثر على معلومات مخبوءة ونقد عميق وتفنيد حكيم، حول جوانب كثيرة وعيوب أكثر تخص المقاربة الأميركية لإسرائيل، وما تحظى به الأخيرة من مزايا استثنائية في أروقة السياسة وصنع القرار في واشنطن؛ لا يمكن تبريرها بالمصالح الأميركية القحة.
ومؤخرا وقعنا على نموذج آخر غير الشجاعة التي تأتى بأثر رجعى، بعد أن يتخفف المسؤولون من مناصبهم ويحالون للتقاعد، وهو ذلك الذي يشير إلى بوح البعض بالمكنون وكشف المستور أثناء تقلدهم المناصب، ولكن في الجلسلت الخاصة والحوارات الحميمة، حين يأمنون شرور تسرب ما قيل وألسنة جوارح الصحافة والإعلام المتنمرة.
من الأمثلة الطازجة بالخصوص، ما أوردته صحيفة هآرتس (7/9/2011)، من أن روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي السابق أفصح قبل مغادرته المنصب، في لقاء ضيق حضره الرئيس باراك أوباما، عن امتعاضه من تصرفات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو.. واصفا إياه بالجاحد الناكر للجميل الأميركي، وبأنه ".. يقود بلاده إلى الخطر ولا يبصر العزلة التي ساق إسرائيل إليها، بسبب إصراره على احتلال الضفة، وعدم إدراكه للمشكلة الديمغرافية التي تتفاقم هناك يوما بعد يوم...".
المثير هنا أن أحدا من الحضور بمن فيهم الرئيس الأميركي نفسه، لم يعترض على الغاضب غيتس.. بل ".. إنهم جميعا أعربوا عن تفهمهم لأقواله..".
لا نتصور عموما أن المسؤولين الأميركيين يجهلون مدى التشويه والانحطاط الذي سينال من صورة دولتهم العظمى وسمعتها، جراء ملاحقتها للطرف الفلسطيني بالضغوط وعمليات الابتزاز، لا سيما بين يدي الرغبة في إثنائه عن اللوذ بالأمم المتحدة، بعد أن سدت في وجه ظلامته التاريخية كل السبل.
ترى كيف ستبرر الإدارة الأميركية استخدامها، أو حتى تهديدها باستخدام، هراوة الفيتو ضد تحرق شعب معترف له بحق تقرير المصير لإنشاء دولته المستقلة وعضوية الأمم المتحدة؟.. وبأي خطاب شيطاني ستخرج على زهاء 130 دولة تؤثر الأخذ بيد فلسطين الدولة، وترحب بملازمتها ومزاملتها في هذه المنظمة، الساهرة جدلا على عالم القانون والنظام والسلم والأمن وحريات الشعوب وانعتاقها؟
لو أن تبرمات غيتس ومن لف لفه مدت على استقامتها، لأوصلتهم إلى ما وصلنا إليه منذ أمد بعيد.. وهو أن نتانياهو وبطانته لا يضرون بسياساتهم وسلوكهم دولة إسرائيل ومصالحها فقط، وإنما يلهبون أيضا ظهر واشنطن، ويعرونها أمام قطاعات واسعة من الخلق.
في كل حال، يبدو خروج بعض المسؤولين الأميركيين عن صمتهم، بمثابة محاولة لتطهير الذات والإقرار بالذنب.. لكن هذا الاعتراف لا يكفي في نظرنا لإصدار صكوك الغفران في حق هؤلاء، كونهم سكتوا وكانوا شياطين خرساً، وقت أن كان لكلماتهم وشهاداتهم أثر بائن في إنقاذ أرواح أناس كثيرين، وتخليص شعوب بأكملها من عذابات وآلام تفوق الوصف.. فلا نامت أعينهم أبدا.