عندما كان البعض يتنبأ بحتمية نهاية دولة إسرائيل، كان الآخرون يقهقهون. لم تكن المؤشرات في الثمانينات والتسعينات تدل على أن هذه الدولة المدعومة من كل أرجاء الدنيا قد تهتز أركانها.

كل دول العالم وللأسف بينها دول إسلامية وعربية - وقفت خلف تشكل ونهوض هذه الدولة التي لم يتجاوز عمرها خمسين سنة. والتي تحولت إلى قوة يخشاها العالم بأسره. المساحة الكلية لفلسطين لا تتعدى 27000 كيلومتر مربع. وما تبقى للعرب منها بدأت في قضمه على اعتبار أنه يشكل حقا تاريخيا لليهود استولى عليه العرب المسلمون.

وبما أن الشعوب القديمة لم تكن تفصلها حدود دولية، فإننا لا نفهم كيف تحدد شكل دولة اليهود بحيث أصبح يشبه إلى حد كبير شكل الساطور؟

وبناء على ذلك، ذهبت أطماعهم إلى أبعد من ذلك. وهذا الطمع تأتى من اثنتين: أن شعب اليهود معروفون تاريخيا وأدبيا بحب ملذات الدنيا وعلى رأسها حب المال. لذا لم يطلبوا من ربهم الجنة، بل طلبوا مائدة من السماء. فحصلوا على (المن) ولم يحصلوا على (الأمن).

ولم يعرف التاريخ عن اليهود أي فكر فلسفي يدعو إلى الروحانية أو التصوف أو الزهد في الحياة كما عرفتها الشعوب الأخرى. وهم فيما يبدو لا يخجلون من ذلك، والدليل أنهم لم يتهموا الكاتب البريطاني وليام شكسبير الذي سخر من فسادهم الأخلاقي لا بالزندقة ولا بمعاداة السامية. وبالتالي، تطور لديهم الطمع من حب المال إلى حب العقار.

ولهذا الحب الأخير أيضا أسباب. فهم قضوا حياتهم منذ أن خرجوا من بابل مطرودين مذمومين من غير أرض ولا دولة سياسية. ووجدوا أنفسهم على مر الزمن مشردين في شتى أنحاء الأرض. فمن الطبيعي أن يصلوا إلى نتيجة أنه لا بد لهم من أرض تجمع شتاتهم. وحيث إنه لم توجد أي دولة في العالم كانت ستوافق على استضافة اليهود، فبالتالي لم يجدوا سوى خاصرة العرب الضعيفة: فلسطين، بينما كان العالم العربي ينام في سبات عميق، والدولة العثمانية تلفظ أنفاسها.

وحيث إن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية كانت تشعر بتأنيب الضمير تجاه ما حل بهم على أيديهم، وتريد التخلص منهم، اخترعوا لهم خرافة دولة لليهود. وحيث إن بريطانيا وفرنسا كانتا المهيمنتين على المنطقة، وتقاسمتاها بما تحلو لهما نفساهما، لم يجدا من ضرر في اقتطاع جزء بسيط من كعكة الشرق الأوسط ترمى لليهود. وحتى هذه القطعة كانت لغاية، فالأوروبيون لا يعطون دون ثمن.

وكان غرضهم غرس فزاعة في حقل المنطقة. وكما نقرأ اليوم، فكل إيرادات الغرب من الحروب والسلاح والنفط ينقل إليهم على صحن من ذهب على شكل أرباح بالجملة مقابل قطعة الكعك الصغيرة تلك. حتى أصبحت فوائد الغرب من إنشاء دولة إسرائيل تفوق بكثير ريع الإسرائيليين من قيام دولتهم. وحاولت الولايات المتحدة الأميركية تكرار اللعبة مع فزاعة أسامة بن لادن وطالبان وصدام حسين ونجحت إلى حد ما.

غير أن جميع تلك الفزاعات لم تتعد كونها عصا تلبس ثياب مزارع هزيل، يحركه الهواء كما شاء، ويسقط كما يشاء الله. ووفق الدراسات النفسية الحديثة، فإن الفزاعات في حقيقة الأمر لا تخيف الطيور التي اكتشفت الحقيقة.

وهذا تماما ما حدث لفزاعة حسني مبارك وبن علي والقذافي وغيره. وقبل سقوط حسني مبارك، أسقط الشعب اللبناني عام 2006 في خلال شهر واحد أوهام فزاعة إسرائيل. لقد قلبت الحرب اللبنانية مع إسرائيل عام 2006 موازين القوى في المنطقة ووصلت إلى عمق التركيبة النفسية للإنسان العربي.

وكذلك زعزعت أمن إسرائيل التي لم تعد في مأمن. إن الخلطة النفسية العربية الجديدة عجلت بلا شك في تهاوي أنظمة بن علي ومبارك والقذافي ومن سيأتي بعده. ولم تعد جيوش ومخابرات الأنظمة ولا حتى إسرائيل تخيف الشعب المصري والتونسي والليبي واليمني والدليل على ذلك احتلال مجموعة من شباب الثورة المصريين للسفارة الإسرائيلية رغم الحواجز الخرسانية، وهروب السفير الإسرائيلي وعائلته ومن معه إلى إسرائيل. ولم يكن هذا ليحصل من قبل!

وكما تهاوت السفارة الإسرائيلية في إيران مع نجاح ثورة الخميني في نهاية السبعينات، تهاوت في مصر مع نجاح ثورة الشباب. وكانت مصر قبل شهور تمثل درعا منيعا لبقاء إسرائيل. وقد تهاوى بلا رجعة. وكانت إسرائيل معتمدة بشكل كبير وتعول كثيرا على شراكتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع تركيا. غير أن الأمور تغيرت وتحولت هذه الشراكة إلى نذر اندلاع حرب بين البلدين، خاصة بعد قرار قبرص وإسرائيل التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط.

ومن جهة أخرى، شق الفلسطينيون عصا الطاعة لإسرائيل، ولأول مرة يتقدمون بطلب العضوية في الأمم المتحدة في تحد سافر أمام غضب الدولة اليهودية. كما أن ما يزيد الطين بلة انشغال الولايات المتحدة بمشاكلها الداخلية المتراكمة، أما فرنسا فمشغولة هذه الأيام بالتهام كعكة ليبيا. ومعدتها بالطبع قبل معدة إسرائيل. وتقاربها مع الربيع العربي أصبح من أهم أولوياتها. وهكذا تحولت إسرائيل تدريجيا إلى دولة معزولة دوليا وعالميا وإقليميا، بل ونفسيا.

إن التصريحات الحديثة لوزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، تنم عن مخاوفه مما قد يصيب إسرائيل عاجلا أو آجلا، وكما أطلق عليه بصريح العبارة: «تسونامي دبلوماسي يتجه نحو إسرائيل».

إن إسرائيل تبدو ميتة سريريا، وفي انتظار أن تتهاوى العصا التي تستند عليها، فتسقط.