معظم العراقيين حريصون بلا أدنى ريب على النهوض ببلدهم من كبوته، وحريصون جداً للحفاظ على وحدة أرضه وشعبه. مقابل ذلك، هناك قلة جداً من هذه الكثرة تستطيع فعلاً أن تلعب دوراً يجنب العراق الانزلاق نحو مسارات الانكسار والتفكك والانهيار. هذا الاختلال الخطير في معادلة التوازن بين الطموح للنهوض وبين ضعف القدرات لتحقيقية، يثير القلق الشديد على مستقبل العراق.

فالأسباب التي أعمت الكثير من العراقيين عن رؤية الحقائق، وأبقتهم مكبلي اليدين مغيبي العقل عن تفهم حقيقة سيناريوهات المشهد، الذي انخرطوا في سياقاته بإرادتهم أو بإرادة من تمكن من إخضاع إراداتهم لإرادته وتسييسها لمصلحته، لا تزال قائمة.

فقد وافقت هذه الكثرة على تسليم مقدراتها إلى القليل جداً من السياسيين، الذين لا يحملون أحلامها ولا يتحلون بصفاتها ولا يحترمون قيمها وتطلعاتها، حين تجرعت بمحض إرادتها ترياق موروثات نجح بعض قوى الإسلام السياسي في صناعته وتوظيفه وتسويقه وقطف ثماره إلى أبعد الحدود.

معظم السياسيين العراقيين يكررون في تصريحاتهم أقاويل كثيرة منمقة، عن وحدة العراق أرضاً وشعباً وعن كونها خطاً أحمر لن يُسمح لأحد بالاقتراب منه، ويتفننون في نحت العبارات اللغوية لإبهار المتلقي بشدة حرصهم على الوطن. إلا أن سلوكهم على أرض الواقع لا يعكس ذلك، بل يشد من عضد التيارات التي تسعى لتفكيكه وتحويله إلى كانتونات هزيلة، تأتمر بإرادة أمراء الطوائف.

يشهد العراق منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، وضعاًً مقلقاً تزايدت خطورته في الفترة الأخيرة، مع بدء الاستعدادات لمواجهة استحقاقات انتهاء العمل بالاتفاقية الأمنية المعقودة مع الولايات المتحدة نهاية العام الحالي. فقد ارتفعت وتيرة أحداث العنف، وتوسعت دائرة الاغتيالات للرموز البارزة في المجتمع.

واكتسبت التصريحات والتصريحات المضادة التي يطلقها الفرقاء في العملية السياسية نكهة عدائية واضحة، وأصبحت الأصوات لإقامة الفيدراليات أكثر عدداً وأعلى نبرة، وتزايدت وفق ذلك المخاوف على مستقبل العراق.

نوايا تفكيك العراق ليست جديدة، فهناك من يرى ضرورة ذلك من العراقيين أنفسهم، ناهيك عن كون ذلك أمنية طالما حلم بها بعض القوى الإقليمية، وليس من المستبعد أن يكون ذلك في أجندة الولايات المتحدة، التي بدأت بمهمة إعادة رسم خرائط منطقة الشرق الأوسط.

وقد ترجم الدستور العراقي الدائم، المثير للجدل، هذه النوايا إلى مواد قانونية جعلت تفكيك العراق شأناً من الممكن تحقيقه دستورياً. وأضيف لهذه النوايا المبيتة أصلاً، نوايا أخرى جديدة نشأت مؤخراً لدى البعض، بعد سقوط النظام السابق ودخول العراق دوامة الفوضى، لأسباب عديدة منها ضمان التمتع بالأمن، واليأس من جدوى الاستمرار في التبعية للمركز الفاشل، وتفتح الشهية للنفوذ والتمتع بالمغانم لدى بعض القيادات في المحافظات، وتأثير عوامل خارجية تتفق مع مصالح دول إقليمية من مصلحتها إضعاف العراق وتقزيمه.

هناك مبررات قوية للقلق على مستقبل العراق، نشير إلى أبرزها وأكثرها وضوحاً.

1. تعثر العملية السياسية التي أفرزت حكومة ضعيفة غير متجانسة وغير قادرة على حماية المواطن، تخضع مسارات سياساتها لتوافقات صعبة مع الأطراف المنافسة لها، ولتوافقات من نوع آخر أقل صعوبة مع حلفائها.

2. استشراء الفساد في جسد الدولة وإعاقة الجهود لاجتثاثه أو تحجيمه أو إحالة رموزه للقضاء، والإخفاق في تقديم الخدمات الأساسية للمواطن، مما أضعف إلى حد كبير الثقة لديه بقدرات الحكومة المركزية، وعزز موقف دعاة إنشاء الأقاليم في البصرة والأنبار وفي غيرها، لسحب شؤون محافظاتهم من المركز أسوة بإقليم كردستان. وليس من المستبعد أن تختبئ في أردية هذه الدعوات في الوسط والجنوب، نزعات الانفصال عن العراق، أو تنشأ هذه النزعات فيما بعد.

فإن كانت لدى الأكراد مبررات موضوعية تتعلق بالخصائص الجغرافية والنشأة التاريخية ووحدة اللغة والعادات والطقوس السائدة لإنشاء إقليمهم الخاص، فإن من الصعب أن نجد مبررات مشابهة في محافظات العراق الأخرى في الوسط والجنوب، التي لا تتمايز عن بعضها.

3. وصول العلاقات بين أربيل وبغداد لدرجة عالية من التوتر وتبادل الإتهامات حول قضايا جوهرية، تتعلق بقانون النفط والغاز واتفاقية أربيل التي مهدت لميلاد الحكومة العراقية، والمادة 140 من الدستور التي يصر الأكراد على تنفيذها. وقد وصلت هذه العلاقات إلى مستوى غير مسبوق من التوتر، حين تجاهلت الحكومة الأردنية العاصمة بغداد وقام رئيس وزرائها معروف البخيت مؤخراً بزيارة إلى عاصمة إقليم كردستان أربيل.

4. تفاقم التوترات بين العرب والتركمان والأكراد في محافظة كركوك، مع قرب الانسحاب الأمريكي من المحافظة والتخوف من اندلاع العنف فيها.

5. إصرار التركمان في مدينة كركوك على تشكيل قوة خاصة بهم لحماية أنفسهم، بعد أن شهدت المدينة حملة منظمة لتصفية نخبهم، وبعد أن يئسوا من قدرة الحكومة المركزية على تأمين الحماية لأرواحهم أو جديتها في ذلك.

6. على الرغم من أن الطائفية لم تعد حديث الناس أو محركاً للأحداث كما كان الحال في الأعوام التي خلت، إلا أنه ليس من المستبعد أن تستيقظ هذه النزعة الخطرة من جديد، طالما بقي بعض القيادات السياسية التي لها مصالح في إيقاظها تتمتع بنفوذ كبير، وطالما كانت في متناولها وسائل إشعالها.

فالتوتر الشديد والخطير الذي اندلع بين محافظتي كربلاء والأنبار مؤخراً، على خلفية الجريمة التي ارتكبت في الأنبار وراح ضحيتها عدد من أبناء كربلاء والأنبار وبغداد ومناطق أخرى من العراق، مؤشر قوي على سهولة الانجرار نحو فتنة طائفية، في أجواء تراجع الحكمة والروية في صياغة ردود الأفعال. فقد استغل كل طرف ما لحقه من الطرف الآخر، لشن حملات تهديدية قاسية.

فالكربلائيون وظفوا دماء شهدائهم، والأنباريون وظفوا ما أسموه كرامتهم التي أهدرت، وبدأت القضية تأخذ أبعاداً أخرى إضافة للبعد الطائفي، حيث برز إلى الوجود التخندق المناطقي.

ومما يوسع من دائرة الإحباط ويقلص من مساحة الأمل في المستقبل في هذا الصدد، هو عجز القوى السياسية عن الخروج من الدوائر الضيقة التي حصرت نفسها داخلها، وتهاونها في السعي نحو برنامج وطني يرسي ثوابت وطنية تقي العراق شرور الفتنة.