لماذا أقدم المتشددون على قتل نحو 3000 أميركي منذ عقد من الزمان؟ لا تزال قلة من الناس تصدق الخرافة القائلة إن غضب أسامة بن لادن، كان النتيجة المنطقية لسياسة الولايات المتحدة الخارجية السابقة أو لدعمها المستمر لإسرائيل. فبالعودة إلى فترة التسعينات، نجد أن الولايات المتحدة ساهمت في إنقاذ الشعوب الإسلامية في البوسنة وكوسوفو وفي الصومال والكويت، في حين عمدت كل من روسيا والصين إلى اضطهاد أو حتى قتل عشرات الآلاف من المسلمين، دون أدنى خوف من إثارة غضب تنظيم القاعدة.

علاوة على ذلك، لقد شهدت الآونة الأخيرة مقتل آلاف العرب، ولكن على يد حكوماتهم، وليس على يد القوات الإسرائيلية. ولا يزال تنظيم القاعدة يوجه تهديدات بالموت إلى الأميركيين، على الرغم من أن حججه القديمة لخوض الحرب، ومنها تمركز القوات الأميركية في أراضٍ عربية، لم تعد لها قيمة منذ أمد طويل.

وحتى الآن، وبعد مرور عشر سنوات على أحداث سبتمبر، لم يتمكن أحد من دحض الحقيقة القائلة إن ابن لادن حاول استغلال سخط الشعب العربي على الفقر المدقع والبؤس الذي جلبه لنفسه بنفسه. وبطريقة "هتلرية" ساخرة، سعى المروجون لتنظيم القاعدة، إلى إلقاء اللوم على الأجانب واتهامهم بالتسبب في الفوضى السائدة في الشرق الأوسط، بدلاً من السعي لمواجهة حكومات العرب الفاسدة وأنظمتهم غير الفعالة.

إن سياسة التهدئة مع الإرهاب التي انتهجها الغرب في الماضي، أقنعت ابن لادن بقدرته على إزهاق أرواح الغربيين دون الحاجة للخوف من أي انتقام، فيما قدم نفسه إلى الشارع الإسلامي على أنه خليفة صلاح الدين، الذي أخضع الغربيين.

وفي خرافة أخرى حول ما بعد أحداث سبتمبر، تبين لنا أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، فرط بحماقة منه في وحدتنا الوطنية النادرة، من خلال فرض تدابير أمنية غير قانونية وغير ضرورية، ومن خلال خوض حروب خاسرة ولا سبيل للانتصار فيها. وتشير الخرافة ذاتها إلى أننا لو لم ندخل العراق أو نفتح غوانتانامو، لكنا ننعم بالسلام حالياً ونحرص على تزيين سياراتنا بالأعلام الأميركية، سواء كنا ننتمي إلى اليسار أو اليمين.

ولكننا نعرف أن تلك النظرية هي إلى حد كبير مجرد خرافة، لسببين اثنين. ففي الفترة ما بين عامي 2001 و2008، أكد لنا الخبراء الأمنيون المحليون والأجانب، أن أحداث سبتمبر المقبلة ليست مسألة "لو" ، بل هي مسألة "حين". ومع ذلك، لم نشهد خلال السنوات العشر الماضية، أي هجوم إرهابي مماثل، على الرغم من عشرات المحاولات الفاشلة لقتل الأميركيين وتفجيرهم. فما الذي حدث؟

لقد ساهم كل من قانون المواطنة، وسياسة التسليم الاستثنائي، والمحاكم المختصة، والاحتجاز الوقائي، فضلاً عن التدابير الأمنية الصارمة الجديدة، واستخدام طائرات "بريداتور"، في إضعاف تنظيم القاعدة وجعل مهاجمة الأميركيين في عقر دارهم أمراً صعباً. ومع كل مشاعر الحرقة والحزن على أفغانستان والعراق، فقد قتل عشرات الآلاف من المتشددين في بلاد أجنبية، ولا تزال الحكومات المناهضة للإرهاب تحل محل نظيراتها الدكتاتورية.

وأين هم الآن، أمثال مايكل مور، وسيندي شيهان، ومنظمة "موف أون"، وجماعة "كود بينك"، والحركة المناهضة للحرب بأسرها، التي سيطرت لسنوات عدة على نشرات الأخبار، مؤكدة لنا أننا قد فقدنا حريتنا داخل وطننا ولم نتسبب إلا في الفوضى خارجه؟

والحقيقة هي أن تلك الحركات والمنظمات، غابت على الأرجح عن نشرات الأخبار بعيد انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة. يبدو أن المكبرات الصوتية تلك، كانت طوال الوقت مهتمة بالسياسة الحزبية أكثر من اهتمامها بالانتقاد المتعلق بالمبدأ.

وفي أحد أغرب التحولات في التاريخ السياسي الحديث، عمد الناقد اللاذع المناهض للحرب والمعادي لإدارة باراك أوباما، بمجرد توليه منصب الرئاسة، إما إلى تبني أو إلى توسيع نطاق معظم سياسات مكافحة الإرهاب، التي اتبعها بوش ونائبه ديك تشيني.

وقد امتنع أوباما عن إحداث أي تغيير يذكر في سياسة الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، وشارك في حرب ثالثة في الشرق الأوسط من خلال قصف ليبيا. في الواقع، تفاخر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، بأن الأوضاع العراقية الهادئة قد تكون واحداً من "أعظم إنجازات" الإدارة الأميركية.

وفي عام 2012، لن تتباهى إعلانات حملة إعادة انتخاب أوباما، بالإغلاق الموعود لمعتقل غوانتانامو، بل بالقضاء على ابن لادن داخل باكستان، هذا البلد الذي رفعنا فيه عدد عمليات الاغتيال التي تنفذ بواسطة طائرات من دون طيار، إلى خمسة أضعاف منذ عام 2009.

ويبدو أن الرئيس أوباما، على عكس المرشح أوباما، أدرك أن التدابير الأميركية السابقة، التي لم تحظ بقدر كبير من الاستحسان، حافظت على سلامتنا لمدة سبع سنوات، ولذلك كان لا بد ـ في ما يبدو ـ من استمرارها. كما خمن أنه عندما يضع اسمه على تلك التدابير المكافحة للإرهاب، التي كانت ضرورية للغاية رغم الاستهزاء الذي لقيته، سيتحول الغضب الذي اجتاح البلاد في الفترة ما بين عامي 2003 و2008، إلى مجرد تذمر.. وقد كان كلا التخمينين صحيحاً تماماً.

لقد اتهم المحافظون خلال فترة من الفترات باللاإنسانية، بسبب الطريقة القاسية التي انتهجها جورج بوش في حربه على الإرهاب. أما الليبراليون، فقد انتشرت الرسومات الكاريكاتيرية التي سخرت منهم، بسبب رقة أوباما وتسميته لهجمات 11 سبتمبر بـ"كوارث من صنع البشر".

ولكن الحقيقة غير المعلنة حول العقد الذي تلا أحداث سبتمبر، هي أن الأميركيين، بغض النظر عما يقوله اليمين أو اليسار، كرسوا مؤسسياً سياسات وبروتوكولات، ساهمت في حمايتنا من هجوم قاتل آخر حتى يومنا هذا.