رغم أن العالم كله لا يكف عن الحديث عن الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي، إلا أن القليلين للغاية يتحدثون عن "المسيحية السياسية" والتداعيات الخطيرة لصعودها المطرد في أميركا. والمسيحية السياسية ليست تعبيرا من عندي، وإنما صكه مراقبون أميركيون يتابعون هذه الظاهرة. ورغم أن الظاهرة ليست جديدة، إلا أنها عادت لتطرح نفسها بقوة هذه الأيام، عشية انتخابات الرئاسة الأميركية.

فالتيار الأصولي المسيحي في أميركا له جذور تمتد لنشأة الولايات المتحدة، لكن نفوذه يصعد ويهبط في المراحل التاريخية المختلفة. ففي القرن العشرين شهد التيار صعودا مدويا في بدايته، إلى أن شهد انكسارا في نهاية العشرينات. وقد ظل التيار كامنا تحت السطح إلى أن استعاد عافيته في السبعينات. وكان أول تعبير سياسي عنه وقتها، هو دعم جيمي كارتر لتولي الرئاسة في 1976، نظرا لما كان معروفا عنه من تدينه الشديد.

 لكن سرعان ما انقلب هذا التيار على كارتر، بسبب سياساته الليبرالية ورفضه القاطع لأن يقحم رؤاه الدينية في صنع القرار السياسي. فأيد هذا التيار الجمهوري رونالد ريغان لمنصب الرئاسة في 1980. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط تيار الأصولية المسيحية بالحزب الجمهوري حتى اليوم، وأصبح قطاعا محوريا من قاعدته الشعبية التي يعتمد عليها في الانتخابات لكافة المناصب السياسية، ونتج عن ذلك أن انجرف الحزب الجمهوري ـ "حزب اليمين" أكثر نحو اليمين، فلم يعد هو نفسه الحزب الجمهوري الذي كان موجودا في الثمانينات.

وقد ظلت المسيحية السياسية تعبر عن نفسها من خلال حملات تعبئة ضخمة تتبناها إزاء قضايا بعينها، بدءاً من "مكافحة الشيوعية الملحدة" في زمن الحرب الباردة، ومروراً بالدعم المطلق لإسرائيل، ووصولاً اليوم إلى التحالف مع تيارات وقوى أخرى لإدارة حملات ضد الإسلام والمسلمين.

لكن التعبير الأكثر وضوحاً عن المسيحية السياسية في أميركا، هو الترشيح لأعلى المناصب السياسية. فهناك عدد كبير من أعضاء الكونغرس ينتمون لهذا التيار، بينما اعتاد أنصار التيار، بل وقساوسته، الترشح لأعلى منصب في البلاد؛ أي الرئاسة.

لكن العام الحالي يمثل نقلة نوعية، حيث يترشح للرئاسة المؤمنون بمذهب بعينه يؤمن بدور طاغ للمسيحية، ليس في حكم أميركا فقط، وإنما حكم العالم. فقد ترشح هذا العام لمنصب الرئاسة عن الحزب الجمهوري، كل من ميشيل باكمان عضوة مجلس النواب التي تنتمي لهذا المذهب وتؤمن بأفكاره، كما ترشح ريك بيري حاكم ولاية تكساس، الذي لا ينتمي لهذا المذهب ولكنه لا يعادي أفكاره، بل ودخل تحالفا وثيقا معه، حتى إن هذا التيار صار يعتبر أن بيري هو المرشح المفضل.

وهذا المذهب الذي يتبنى التفسير الحرفي لبعض آيات العهد القديم، يطلق عليه تيار "الدومينيونيين"، أي الذين يؤمنون بأن المسيحيين مكلفون بالحكم وفق تعاليم العهد القديم تحديدا.

والفكرة المحورية لدى هذا المذهب، هي ضرورة استبدال أحكام العهد القديم بالدستور والقانون الأميركيين. فالمسيحيون عنده مكلفون من الله بأن يستردوا الأرض للسيد المسيح، فالله قد أعطى المسيحيين الحق، بل والمسؤولية المقدسة ليحكموا الأرض. وأصحاب هذا المذهب يؤمنون ويكافحون من أجل السيطرة على ما يسمونه "الأعمدة الستة" للمجتمع، وهي الأسرة والدين والفن والترفيه والإعلام والحكومة. ويرون أن تلك الأعمدة هي مراكز الأعصاب التي تتحكم في المجتمع، ومن ثم فلا بد من السيطرة عليها للسيطرة عليه.

ويؤكد هذا المذهب على أن الثراء هو رضى من الله، الأمر الذي يحول أتباعه من الفقراء إلى أعداء لأنفسهم، يدافعون بشدة عن مصالح الأغنياء على حساب مصالحهم. ولأن هؤلاء مؤمنون بأن المسيحيين مكلفون بالهيمنة على الدنيا، وتولي كافة مؤسساتها، فلا مانع عندهم من شن الحروب، خصوصا إذا كانت ضد غير المسيحيين.

ويرتب أتباع هذا المذهب على هذه الفكرة المحورية، أفكارا أخرى بالغة التطرف والرجعية. فعلى سبيل المثال، تدافع مرشحة الرئاسة ميشيل باكمان عن العبودية، وتعتبر أن الحرب الأهلية التي ألغتها، كانت في حقيقتها حرباً بين "الشمال العلماني" و"الجنوب المسيحي المؤمن"، لا بين مناهضي العبودية والمدافعين عنها. وحتى يتم استبدال العهد القديم بالدستور الأميركي، ترى باكمان أن الحكومة الأميركية ليس من حقها أن تفرض ضرائب تزيد عن نسبة العشرة في المائة التي يدفعها المتدينون للكنيسة.

وحين سئلت عمن تقرأ لهم، ذكرت على رأس القائمة اسم القس فرانسيس شيفر، المعروف بتطرفه والذي دعا علناً قبل وفاته بأيام إلى "استخدام العنف لقلب نظام الحكم" في الولايات المتحدة، إذا لم يتم حظر الإجهاض. وباكمان، بالمناسبة، تؤمن بالطاعة الكاملة من جانب الزوجة لزوجها كواجب إلهي، حتى إنها - وهي التي تتولى منصبا سياسيا - ذكرت مرارا قرارات سياسية اتخذتها أو لم تتخذها، بناء على ما قرره زوجها، لا بناء على معطيات العملية السياسية التي تشارك هي لا زوجها فيها، الأمر الذي دعا البعض لاعتبار انتخابها في الحقيقة انتخابا لزوجها كرئيس للبلاد!

والمرشح الجمهوري ريك بيري، ليس أقل تطرفاً من باكمان. فهو وإن لم يؤمن بأفكار هذا المذهب، إلا أنه تحالف سياسياً مع أتباعه، الذين يعتبرونه اليوم طريقهم إلى السلطة السياسية لتنفيذ ما يطمحون إليه، عبر السيطرة على "جبل" الحكومة، أحد الجبال (الأعمدة) الستة.

وصعود رموز كهذه تمثل أكثر تيارات المسيحية السياسية تطرفاً في أميركا، يدق أجراس إنذار كثيرة، خاصة وأن باكمان وبيري يتصدران استطلاعات الرأي بين زملائهم من المرشحين الجمهوريين. فالحزب الجمهوري بهذه التركيبة، دخل مرحلة جديدة من الانجراف نحو أقصى اليمين، وهو الأمر الذي ستكون له تبعاته المخيفة على السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، ليس من خلال منصب الرئاسة فحسب، وإنما من خلال الكونغرس وغيره من المؤسسات المنتخبة.