يعتبر عيد العمال في أميركا عادة، مناسبة للتنزه والاستعراضات. لكن هذه السنة ليست نزهة بالنسبة للعمال الأميركيين، ولعل المناسبة تستدعي الآن مسيرات احتجاجية، وليس مواكب احتفالية استعراضية.
فهناك الآن 25 مليون أميركي يرزحون تحت عبء البطالة أو البطالة المقنعة، في حين تواصل الشركات الأميركية أيضاً خفض الأجور وتقليص التعويضات. وما زال متوسط الأجور في انخفاض، بالقياس إلى معدل التضخم. ومعدلات البطالة المرتفعة، منحت أرباب العمل اليد العليا في المساومة على الأجور.
باختصار؛ يمكن القول إن هذا كان أسوأ عقد للعمال الأمريكيين منذ قرن. وبحسب بيانات وزارة التجارة، فإن زيادات الأجور في القطاع الخاص خلال العقد المنصرم، تخلفت حتى عن معدلات زيادات الأجور خلال فترة الركود العظيم، الذي ضرب الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي (حيث ازدادت الأجور بنسبة 4% فقط على مدار السنوات العشر الماضية، بعد تحييد عامل التضخم، في حين ازدادت بنسبة 5% بين 1929 و1939).
الشركات الأميركية الكبرى تكسب أرباحاً أكبر، وتولد فرص عمل أكثر خارج الولايات المتحدة مما تفعل داخلها. ولو كانت الشركات بمثابة أشخاص، كما يصر منطق المحكمة العليا المعوجّ على القول، لاستطعنا التأكيد بأن معظم الشركات الكبرى التي تقع مقراتها في أرضنا، تخسر الآن هويتها الأميركية بوتيرة متسارعة.
في هذه الأثناء، ارتفعت أجور الرؤساء التنفيذيين بشكل كبير. فلقد ارتفع متوسط قيمة مرتبات ومكافآت وحوافز الرؤساء التنفيذيين في 350 شركة أميركية كبيرة، بنسبة 11% السنة الماضية، إلى ما معدله 9.3 مليون دولار (بحسب دراسة أجرتها مجموعة هاي الاستشارية لصالح وول ستريت جورنال)، كما ارتفعت المكافآت السنوية التي يتقاضاها هؤلاء بنسبة 19.7%.
وهذا لا يتضمن حتى مكافآت منح الأسهم بأسعار تفضيلية متدنية جداً، للرؤساء التنفيذيين في 2008 و2009. ولقد شهدت أسعار البورصة تضخماً كبيراً منذ ذلك الحين، على الرغم من الانخفاض الذي شهدته في الآونة الأخيرة. وفي مارس 2009، على سبيل المثال، تلقى آلان مولالي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، منحة أسهم قدرت قيمتها في حينها بـ16 مليون دولار.
لكن الشركة تجني الآن أرباحاً كبيرة، وذلك يعود جزئياً إلى قرار اتحاد نقابات عمال صناعة السيارات، بالسماح للشركة بإعطاء موظفيها الجدد أجورا تعادل تقريباً نصف أجور عمالها القدماء. وسجلت أسهمها ارتفاعا كبيراً في ضوء هذا الأداء، لدرجة أن قيمة الأسهم التي منحت لمولالي، أصبحت الآن تتجاوز 200 مليون دولار.
في العام الماضي، عادت فورد للعمل بسياسة زيادة الأجور، لكن فقط لعمالها الدائمين، وليس لعمالها المؤقتين الذين يعملون بالساعة، مما وسع الفجوة بين قمة الهرم والبقية.
وهذا ينطوي على تناقض صارخ مع ما فعله هنري فورد قبل نحو قرن من الزمن، عندما قرر أن يدفع لعماله المؤقتين ثلاثة أضعاف ما يدفعه لعماله الدائمين. وتعرض في حينها لانتقادات صريحة من جانب المديرين الآخرين، لكن مؤسس فورد كان يدرك جيدا أنه يقوم بحركة ذكية. فالأجر العالي حوّل عمال فورد إلى زبائن للشركة، استطاعوا في نهاية المطاف شراء موديلات سيارات "تي" التي كانوا يصنعونها.
لقد كان هنري فورد يعي أمراً مهماً لا يبدو أن الرؤساء التنفيذيين يتنبهون له اليوم، وهو أن العمال هم مستهلكون في نهاية المطاف.
الإنفاق الاستهلاكي في أميركا اليوم يعادل 70% من إجمالي الناتج المحلي الاميركي، ولذلك عندما تكون الوظائف والأجور في خطر، لا يستطيع الأميركيون الاستمرار في الشراء كما كانوا من قبل. والنتيجة الطبيعية التي نشهدها الآن، هي توقف نمو الاقتصاد الأميركي بشكل كامل تقريباً.
إن أرباح الشركات تواصل الارتفاع، لأنها تبيع منتجاتها في الخارج، بينما تخفض تكاليف عمالتها داخل الولايات المتحدة. لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فأكبر الاقتصادات في العالم خارج الولايات المتحدة ـ الهند، الصين، أوروبا والبرازيل ـ جميعها تشهد تباطؤاً الآن.
وهذه الدول لديها أعداد وفيرة من المستهلكين المحليين، لكنها تعتمد أيضاً على التصدير إلى الولايات المتحدة، غير أن المستهلكين الأميركيين لم يعودوا قادرين على الشراء كما كانت الحال من قبل.. وهكذا تكتمل الحلقة المفرغة.
ربما كان يمكن أن يجد العمال ما يحتفلون به في عيدهم، لو كانت الحكومة الأميركية في طريقها لإنقاذهم. لكن واشنطن مصابة بالشلل، والرئيس أوباما يبدو غير راغب أو غير قادر على مواجهة الجمهوريين المعادين للعمال، بينما يشن العديد من حكام الولايات الجمهوريين، هجمات مباشرة على تحركات العمال النقابية (كما حدث مثلاً في كل من إنديانا وأوهايو ومين ووسكونسين).
لذلك، دعونا ننسى موضوع النزهات والمواكب هذه السنة. على العمال الأميركيين أن ينظموا، بدلاً من ذلك، مسيرات احتجاجية، فهم يشهدون الآن أسوأ مظالم منذ ابتداع عيد العمال.. واقتصادنا يعاني نتيجة لذلك.