لو بحثنا في الخارطة الجغرافية لجميع دول العالم، فإننا لن نجد تكتلا دوليا تربط بين أعضائه أواصر وحدة وعلاقات تقارب، مثلما هو الحال لدى دول الخليج العربية.
فحتى دول الاتحاد الأوروبي، لا تمتلك مثل قوة تلك الأواصر، فالاتحاد الأوروبي لغاته مختلفة بحسب كل بلد، ومنظومة الأفكار والعقائد والعادات والتقاليد هي الأخرى تختلف من بلد إلى آخر.
يضاف إلى ذلك أن تاريخ الاتحاد الأوروبي، هو تاريخ الصراعات والحروب بين بلدان هذا الاتحاد، فالحربان العالميتان الأولى والثانية، وقبلهما حرب المائة عام وحرب الثلاثين عاما، كلها شواهد على أن التاريخ الأوروبي تاريخ صراع ونزاع أكثر مما هو تاريخ وحدة وتقارب، على عكس دول الخليج العربية التي تتماثل في بنيتها الاجتماعية والعقائدية والاقتصادية والجغرافية وحتى السياسية. واليوم تشترك هذه الدول في ميزات وحدوية إضافية، فهي باتت تتعرض لتحديات مشتركة بسبب الاضطرابات التي حدثت وما زالت تحدث في الشرق الأوسط، لأسباب لا تبدو خافية على أحد.
وفي هذه المقالة نحاول تسليط الضوء على أهمية توحيد الجهد العسكري الخليجي، كركيزة من ركائز الوحدة الخليجية، دون إغفال أهمية العوامل الوحدوية الأخرى، كالعامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي والعامل السياسي والعامل الأمني. فالتركيز على العامل العسكري في هذه المقالة جاء من منطلقين، أولهما أهمية البعد العسكري في الجهد الخليجي المشترك، وثانيهما هو مناسبة انعقاد اجتماع رؤساء أركان القوات المسلحة في دول مجلس التعاون.
كما هو معروف، فإن كل الأحلاف أو التكتلات العسكرية التي شهدها العصر الحديث، استندت في نشأتها على دوافع منطقية للدول الأعضاء لتشكيل التحالفات والتكتلات ذات الطابع العسكري، ويأتي في مقدمة هذه الدوافع المنطقية، الشعور بالتهديد الجدي من مخاطر قادمة، ومن ثم إدراك ضرورة اكتساب القوة من خلال ربط جهود مجموعة من الدول لتحقق ما يسمى بالأمن الجماعي، الذي يشعرها نوعا ما بالأمان من أية مخاطر قادمة. وحقيقة حلف "الناتو" ما زالت ماثلة أمامنا.
حيث تشكل هذا الحلف عام 1949، بعد استدراك دول العالم الغربي لمخاطر جدية كان يمثلها المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق. واليوم تقف دول الخليج العربية على عتبة بيئة مضطربة من جميع الجهات، فمن ناحية الشمال هناك العراق المضطرب وسوريا المشتعلة، وبات هناك دور إقليمي لتركيا يتدخل في كل شاردة وواردة تخص العالم العربي، وفي الجنوب هناك اليمن الذي تمزقه حالة أشبه ما تكون بالحرب الأهلية، ومن جهة الغرب هناك مصر التي تسير في طريق غير واضح المعالم ومليء بالمخاطر.
وفي جنوب مصر هناك السودان المضطرب والصومال الذي تمزقه الحرب الأهلية شر ممزق، ومن جهة الشرق هناك قوة إقليمية تحاول أن تكون نووية وهي تسير على قدم وساق في هذا الطريق، وفي الداخل الخليجي هناك أحداث البحرين الأخيرة التي كان لها أن تهز الاستقرار الخليجي لو لا التدخل السريع لقوات درع الجزيرة التي حسمت الموقف مبكراً. إذن، باتت دول الخليج تمتلك كل الدوافع والمبررات الموضوعية والمنطقية لتأسيس قيادة عمليات عسكرية مشتركة لدول الخليج العربية، فلهذه القيادة سيكون هناك نوعان من الفوائد، أحدهما استراتيجي والآخر تكتيكي، وكالآتي:
1 ـ الفوائد الاستراتيجية:
أ ـ إن توحيد الجهود العسكرية الخليجية في قيادة مشتركة، من شأنه أن يعيد خارطة توازنات القوى في المنطقة (إذا تم هذا التوحيد وفق أسس سليمة)، إذ يعني ذلك بروز تكتل عسكري جديد في المنطقة، له أهدافه الخاصة التي سترتبط بمتطلبات الأمن القومي الخليجي.
ب ـ بناء على النتيجة أعلاه، فإن المكانة الإقليمية لدول الخليج ستتعزز بلا شك، الأمر الذي سيضطر الفاعلين التركي والإيراني إلى إعادة حساباتهما في المنطقة تحسبا للاعب خليجي فاعل.
ج ـ توحيد الجهد العسكري الخليجي سيخلق موانع صلبة تجاه أي تداعيات يمكن أن تتداعى بالسلب على أمن الخليج، سواء كانت من خارج الخليج كاليمن والعراق وسوريا ومصر والصومال، أو من داخل دول الخليج.
2ـ الفوائد التكتيكية:
أـ تأسيس قيادة عمليات مشتركة لدول الخليج، من شأنه أن يخلق نظاما انسيابيا متطورا في عملية تداول المعلومات بين دول الخليج، فعمليات دمج المعلومات وتنسيقها وترابطها، ستعطي حتما جودة عالية في تحليل المعلومات من أجل دعم صناع القرار في دول الخليج، بحزم متنوعة من خيارات اتخاذ القرار.
بـ كما سيؤدي ذلك إلى تبادل الخبرات بين القادة العسكريين في دول الخليج، وإيجاد استراتيجية تدريب مشتركة بناء على حاجات قوات مجلس التعاون الخليجي، وهذا الاندماج التدريبي سيزيد مهارات وخبرات القادة الميدانيين والضباط بصورة أكثر فاعلية، كما أن ميزانية الإنفاق العسكري مهما ارتفعت تكاليفها ستكون معقولة، إذا قسمت التكاليف على دول مجلس التعاون الخليجي.
جـ تأسيس قيادة عمليات مشتركة لدول الخليج، يمكن أن يخلق قيادة أركان عمليات كفؤة تضع الخطط العسكرية وخطط المناورات الحربية بشتى أنواعها، وبشكل يقلل الاعتماد تدريجيا على العامل الأجنبي.
دـ قد يؤدي الاندماج العسكري الخليجي في المستقبل، إلى القدرة على التصنيع العسكري بشقيه التقليدي والاستراتيجي، وبحسب التهديدات التي يستدركها صناع القرار في دول المجلس.
وهناك في رأينا المتواضع، جملة متطلبات تحتاجها عملية تأسيس قيادة عمليات مشتركة في دول الخليج، وهي على النحو التالي:
1. أن تطغى المصلحة الخليجية العامة فوق كل اعتبار، فلا مجال للخلافات أو المنازعات، أو إيثار مصلحة دولة خليجية على أخرى، بل يجب أن يحتل هدف تحقيق الأمن القومي الخليجي مكانة القلب من الجسد.
2. أن تكون رئاسة أركان العمليات دورية تتناوب على رئاستها القيادات العسكرية الخليجية، ويفضل أن يكون موقعها في أبوظبي على اعتبار أنها صاحبة المبادرة، وأن تكون قرارات القيادة المشتركة بإجماع الدول الأعضاء، من أجل تحقيق أعلى مستوى من التوافق العسكري والذي سينعكس حتما على شكل توافق سياسي.
3. عملية تشخيص الأخطار والتهديدات وتقييمها، يجب أن تخضع لضوابط يوافق عليها جميع الأعضاء، ذلك أن السياسات الدفاعية لقوات مجلس التعاون الخليجي ستتوقف إلى حد بعيد على طبيعة هذه العملية.