رغم المبالغات الكثيرة التي اعتبرت أن العالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ليس هو نفسه العالم قبلها، إلا أن المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها قد تغيرت تغيرا راديكاليا في السنوات العشر التي تلت تلك الأحداث، وهو تغير لم يتراجع بخروج بوش من الحكم. فبعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، ارتكبت الولايات المتحدة جرائم كثيرة في الخارج، وانهار اقتصادها في الداخل، بينما تعرضت فيها الحريات، بل والديمقراطية الأميركية نفسها، للقصف المنظم.

فقبل تسعة أشهر من أحداث سبتمبر، كان بوش قد تسلم الحكم من كلينتون في يناير 2001. ورغم أنه تسلم بلدا منقسما على نفسه سياسيا، بعد ما جرى في انتخابات الرئاسة بين جورج بوش وآل غور، إلا أنه تسلم أيضا بلدا عفيا تخلص اقتصاده من عجز الموازنة الذي تحول إلى فائض ضخم.

ثم وقعت جريمة 11 سبتمبر التي راح ضحيتها مدنيون أبرياء، فوقف الأميركيون رغم انقساماتهم صفا واحدا وراء الرئيس ليقود البلاد خلال الأزمة. لكن إدارة بوش التي كانت أيديولوجية بامتياز، استثمرت تلك المشاعر التلقائية، واستغلت الجريمة البشعة لارتكاب سلسلة من الجرائم في الخارج والداخل. فبعد أن رفضت عرضا من طالبان بمحاكمة أسامة بن لادن ورجاله بناء على ما يتوافر من أدلة، احتلت أميركا أفغانستان لاستعراض القوة العسكرية وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء مجددا على الولايات المتحدة.

 ثم بعد فترة وجيزة كانت قد احتلت العراق أيضا، ليس فقط للردع وإنما لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله، وإعادة تشكيله على نحو يقضي على أية مقاومة، بالمعنى الواسع، للهيمنة الأميركية. وما جرى في أفغانستان والعراق، كان في ذاته سلسلة من الجرائم التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، فضلا عن تحويل الملايين إلى لاجئين.

وإدارة بوش كانت قد قدمت العدوان الخارجى باعتباره جزءا مما أسمته «الحرب على الإرهاب»، فهي أعلنت الحرب على «وسيلة»، وتركت تحديد العدو مفتوحا على كل الاحتمالات، ليتم اختياره وفق ما تراه الولايات المتحدة مناسبا. وبدلا من أن تعتبر أن ما جرى في 11 سبتمبر «جريمة» يتحتم البحث عن مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة، اختارت إدارة بوش أن تكون الحَكَم والجلاد في وقت واحد، واعتبرت أنها لا تخضع للقانون الدولي، ولا حتى القانون الأميركي نفسه.

فالإدارة اعتبرت أن الرئيس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، يحق له أن يفعل ما يشاء دون استشارة الكونغرس ولا حتى إخطاره، وراحت ترفض دور القضاء أيضا في الرقابة على ما تفعله المؤسسة التنفيذية. وهي بذلك قوضت الدستور الأميركي نفسه، الذي يخلق توازنا دقيقا بين المؤسسات الثلاث، بما لا يسمح لأي منها بأن تعمل دون رقابة من الآخرين أو تتخذ القرارات بشكل منفرد. بل أكثر من ذلك، اعتمدت الإدارة سياسة الاعتقال لأجل غير مسمى دون محاكمة، وتبنت تعذيب المعتقلين في غوانتانامو والسجون الأفغانية والعراقية. وأقامت الكثير من السجون السرية حول العالم، يتم فيها أيضا استخدام التعذيب، بل وراحت ترسل بعض المعتقلين إلى دول لها سجل أسود في حقوق الإنسان، لتتولى تعذيبهم بالوكالة. وفوق هذا كله، تم استهداف المواطنين الأميركيين أنفسهم، بالتنصت على اتصالاتهم دون إذن قضائي.

ورغم أنها كانت احتلت بلدين كبيرين بما يعني تكلفة باهظة، إلا أن إدارة بوش تبنت سياسات اقتصادية تقوم على خفض الضرائب عموما، وتقليص القيود الحكومية، وتدمير ما تبقى من الخط الفاصل بين البنوك الادخارية والمؤسسات التي تقوم على المضاربة المالية، فعاد عجز الموازنة وارتفع الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة. باختصار؛ سلم بوش لأوباما البلاد وهي تعاني أزمة اقتصادية طاحنة، وتحتل بلدين كبيرين، وذات سمعة تحولت من كونها الدولة العظمى إلى ذلك البلطجي الدولي الذي يعتبر نفسه فوق القانون الدولي، وتعاني الديمقراطية والحريات في داخله بشكل غير مسبوق.

ورغم كل تعهدات أوباما والآمال التي تعلقت بتوليه السلطة، فمع قرب نهاية ولايته الأولى استمرت في عهده الملامح نفسها لأميركا، بل وسياسات بوش الابن دون تغيير كبير. فقد خفض أوباما الوجود العسكري في العراق دون أن يعني ذلك شيئا محددا، ثم رفع عدد قواته في أفغانستان. وهو اعتمد بدرجة أكبر من سلفه على قصف الطائرات، التي يروح ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء. لكن الأخطر من هذا وذاك، هو أن أوباما نجح بدرجة أو بأخرى في «تطبيع» الاحتلال، أي جعله طبيعيا لا يتم حتى التركيز عليه في الإعلام الأميركي.

أما في ما يتعلق بالديمقراطية الأميركية والحريات، فلم تتحسن الأوضاع كثيرا. فأوباما، على سبيل المثال، أرسل القوات الأميركية لليبيا دون موافقة المؤسسة التشريعية الأميركية. ورغم أن أوباما أغلق السجون السرية حول العالم، وتوقف عن إرسال المعتقلين للتعذيب في الخارج، إلا أنه لم يغلق غوانتانامو كما تعهد. ورغم أن عدد المعتقلين تقلص في عهد أوباما، إلا أن هذا الانخفاض لم يكن لأن الإدارة صارت أكثر حذرا في اعتقال الأبرياء، وإنما لأنها اعتمدت سياسة الاغتيالات السياسية للمشتبه فيهم، بدلا من اعتقالهم. وقد تم في عهد أوباما تجديد قانون باتريوت، بكل المواد التي تمثل قصفا مباشرا للحريات. وحتى السياسات الاقتصادية لأوباما، فهي لم تختلف كثيرا عن سياسة بوش التي تقوم على خفض الضرائب والنفقات الحكومية. بعبارة أخرى؛ فإن سنوات أوباما لم تمثل تراجعا واضحا عن الانقلاب الذي أحدثه بوش في الداخل والخارج.

لقد تغيرت الولايات المتحدة كثيرا، لكنه تغير لم يكن بفعل جريمة سبتمبر نفسها، وإنما بفعل السياسات التي تم تبنيها، وهي سياسات لم تمثل ردعا لأحد ولا حققت نصرا للولايات المتحدة، وإنما نتج عنها انحسار موجع لقوة أميركا داخليا وخارجيا.