أحسن سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، اختزال صورة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، في مقال نشر باللغة الانجليزية في صحيفة "غلف نيوز" بتاريخ 8 سبتمبر، كما نشر في الصحف المحلية العربية، حين وصفها بأنها "هجوم على القيم العالمية، التي يحملها المجتمع الدولي برمته، تلاشت عندها المسافات الجغرافية، واختفت الفوارق في الثقافة أو في الأنظمة السياسية".. فالعالم بعد ذلك التاريخ ليس كما كان عليه قبل ذلك، والمقاييس والوقائع والظروف ليست هي التي عرفها العالم قبل الحادي عشر من سبتمبر.

قبل عشر سنوات وضعت نقطة تمحور حولها تصنيف الناس والمبادئ والاعتبارات، وانقشع الكثير من الضبابيات حول الأفكار والمنطلقات، وعلم العالم أجمع أنه أمام امتحان حقيقي، يختبر فيه صلابة تماسكه الإنساني ومتانة اعتباراته الأخلاقية، ودقة ممارساته وعلاقاته الدولية.

بعد تلك النقطة التاريخية، وضعت تصنيفات حدّية تمتحن رقي العلاقات الإنسانية، حين أصبح الناس إما أخياراً خالصين وإما أشراراً خالصين، وأعيد تصنيف ديانات، لا سيما الإسلام، من قبل بعض المنتفعين أو الجاهلين، إلى دين يرعى الإرهاب والتطرف، ووضع المسلمون في سلة واحدة لا يعلم أغلبهم ما الذي ساقهم إلى قعرها، بل إن الأمر أخذ أبعاداً أكثر صرامة وحدّة، حين صار كل عربي إرهابيا أو مشروع إرهابي، شاء ذلك أم أبى، وأقرّ به أو أنكر.

ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى وضعت الأمور في نصابها الحقيقي، وانتبه المجتمع الدولي إلى جوهر المسألة، ألا وهو مكافحة الإرهاب، ليضع خطوطاً عامة ودقيقة ويجمع - كما قال وزير الخارجية سمو الشيخ عبد الله بن زايد - على مبدأ مفاده "أن الإرهاب يضرب في الصميم كل ما نُجِلّه وندعمه". وبناءً على هذه المنطلقات الفكرية العميقة، انضمت الإمارات العربية المتحدة في العام ذاته الذي وقعت فيه الأحداث، إلى الجهد الدولي لمكافحة الإرهاب، واقفة جنباً إلى جنب مع عدد من الدول العربية والإسلامية، و"أثبتت للعالم أن هذا ليس صراعاً بين أديان أو حضارات، بل هو جهد دولي متضافر خلف قضية إنسانية وسياسية، تتمثل في إلحاق الهزيمة بالتطرف العنيف بكل أشكاله وصوره، وتحت أي شعار أيديولوجي".

فالتطرف لا دين له ولا مبدأ ولا منطق، والتطرف لا جنسية له ولا أرض ولا هوية. إلا أن المسألة تأخذ من منظور الإمارات، كما أوضح ذلك سمو وزير الخارجية في كلمته في ذكرى مرور عقد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أبعاداً أخرى لملاحقة منبع الإرهاب واستئصال شأفته وتجفيف ينابيعه، وتتمثل أولاً في التخفيف من وطأة الفقر العالمي وجعل ذلك على رأس الأولويات، فالأفراد المحرومون من أسباب الرزق ومن الأمل، لا تعنيهم مصلحة مجتمعاتهم.

 وهذه قضية مهمة وأساسية، لا بد أن ينتبه لها العالم أجمع، لا سيما الحريصون على تضييق الخناق على شرارة التطرف، وهي تأمين العيش الكريم للناس، والنأي بهم عن التعرض لأسباب المجاعة والفقر المدقع، لأن الذي يعاني من الفقر لا بد من أن يجد نفسه وجهاً لوجه مع تبريرات غير منطقية، تصور له أن سبب فقره وآلامه ومجاعاته، هو تلك المجتمعات التي ترفل في الرفاهية، فيصب جام غضبه على الآخرين، بدعوى سرقة حياته الكريمة منه.

ومن هذا المنطلق، بادرت الإمارات إلى تنفيذ برنامج ضخم من المساعدات الدولية، بهدف تحسين الظروف الاقتصادية للمحتاجين، فقدمت أكثر من 34 مليار درهم لمشاريع تنموية في سلسلة من الدول في أرجاء العالم، خلال العقد المنصرم منذ عام 2001. وفي هذا العام وحده، قدمت تبرعات سخية لبرامج الإغاثة الطارئة، التي تستهدف السكان المتأثرين في مناطق معرضة للخطر، مثل أفغانستان، واليمن، والصومال ودول جنوب الصحراء الإفريقية.

والبعد الثاني في جذور مكافحة الإرهاب كما تراها الإمارات، يتجلى في تكثيف الجهود السياسية الدولية لتعزيز مبادئ العدالة والقانون الدولي، وتعميق احترام حقوق الإنسان.

ولا ريب في أن ذلك صمام أمان يصون المجتمع عن الوقوع في براثن مصائد استغلال العابثين بوعي الناس، فحين تشيع في الدول والمؤسسات وبين الشعوب مبادئ حقوق الإنسان واحترامه، وتملأ العدالة وسيادة القانون حياة الناس، يصبح البحث عن الوجود وإسماع الكلمة والمطالبة بالمنافع ودفع المكاره، له قنوات إنسانية محترمة ينصاع لها الجميع، ويقطع الطريق على المتسللين إلى ضعاف النفوس لجلب الحقوق بالعنف والإرهاب.

وفوق ذلك، طرحت الإمارات رؤية بديلة للمستقبل، رؤية تعزز ثقافة السلام والتسامح. وأكدت التزامها بالإطار الإسلامي الذي يتسم بالانفتاح على الأديان الأخرى ويكنّ لها الاحترام. كما عملت على ترسيخ مبادئ التفاهم الثقافي المتبادل بين جميع الأطراف، لتشكل في ذلك الرّد الأمثل من قِبلها على الرؤية التي يروجها المتطرفون وأتباعهم.