تشكل المنطقة العربية الخزان النفطي وحقول الغاز، التي تضم احتياطيات هائلة ذات أهمية استثنائية في الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أزمات متلاحقة في المرحلة الراهنة، ما يجعلها مجالا رحبا لنزاعات دولية مستمرة منذ عقود طويلة، بسبب التنافس الحاد بين الدول الكبرى للحصول على أكبر كمية من النفط والغاز، وحصة مجزية من إعادة تسليح الدول المنتفضة، ونصيب وافر من موازنات إعادة الإعمار، وموقع متقدم في المبادلات التجارية والتوظيفات المالية وغيرها. تنقسم الدول العربية المنتفضة إلى ثلاث فئات:
الأولى؛ دول أنجزت انتفاضاتها الشعبية دون تدخل خارجي، كتونس ومصر.
الثانية؛ دول تعاني مشكلات داخلية حساسة كالقبلية والمذهبية، تطلبت تدخل دول الخليج لحل مشكلات الانتفاضات فيها، كما في اليمن والبحرين.
الثالثة؛ دول تعاني من التدخل العسكري الخارجي المباشر أو الخوف من مخاطر اندلاعه، كما في حالتي ليبيا وسوريا.
وقد بنت الولايات المتحدة استراتيجيتها الثابتة والمستمرة في المنطقة العربية، قبل اندلاع الانتفاضات وبعدها، على ركيزتين أساسيتين: السيطرة على منابع النفط والغاز، وحماية دولة إسرائيل. وبعد انفجار الأزمة العالمية للنظام الرأسمالي في خريف 2008 داخل الولايات المتحدة، بات اقتصادها واقتصاد دول الاتحاد الأوروبي واليابان، تعاني مشكلات حادة تثير سجالات داخلية وتهدد بإفلاسات متلاحقة.
في المقابل، بنت دول كبرى كالصين وروسيا استراتيجيتها في المنطقة العربية على مد بعض دولها بالسلاح، ونشر الاستثمارات على نطاق واسع، والتبادل التجاري المتنامي، مع الوقوف إلى جانبها سياسيا وليس عسكريا، فبدت طليقة اليدين في السجالات الحادة الدائرة حاليا حول أسباب الأزمة العالمية للرأسمالية، وهي الآن أكثر قدرة على خوض المعركة الاقتصادية لتعزيز مواقعها في المنطقة العربية، خاصة في أوساط الدول التي شهدت انتفاضات شعبية أو تتخوف من قيامها.
لذلك انخرطت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي مباشرة، في معسكر الدول الداعمة للانتفاضات العربية، وعززت مواقعها القتالية، من خلال عمليات عسكرية مباشرة يقوم بها حلف شمالي الأطلسي يوميا في ليبيا. فبرزت مخاطر جدية من عودة الاستعمار الجديد إلى المنطقة العربية، تحت ستار إنقاذ شعوبها من استبداد حكامها. وما حصل من أحداث مأساوية في العراق بعد الاحتلال الأميركي، يؤكد أن التدخل الغربي في الانتفاضات العربية لم يكن يوما لمصلحة شعوبها، بل لمصلحة الاحتكارات الغربية وإسرائيل، فأمدت المعارضة بالسلاح، والمال.
والدعم السياسي بصورة مدروسة جدا، لإطالة أمد الصراع الدموي والتدمير المنظم. وحرضت الدول المتحالفة معها على تشكيل تحالف يضم دولا عربية واسلامية، لإسقاط النظامين الليبي والسوري. وأثيرت علامات استفهام كبيرة حول إطالة أمد الحرب في ليبيا دون مبرر، ومخاطر إقامة قواعد عسكرية على أراضيها. وهل أن الليبيين قادرون على بناء دولتهم المستقلة وقرارهم الحر في ظل هذا التواجد الكثيف للنفوذ الغربي على أراضيهم بعد نجاح الانتفاضة، أم سيتحولون إلى نموذج عراقي جيد؟
وتتقاطع استراتيجية كل من الصين وروسيا اليوم، على ضرورة منع الأميركيين والأوروبيين من السيطرة التامة على النفط العربي، والتحكم في الانتفاضات العربية وإلزامها بالتعاون مع إسرائيل، رغم مواقفها المتعنتة ورفضها لتقديم أية تنازلات للفلسطينيين، بينما تتلقى الدعم الغربي الكامل لتهويد القدس.
وإقامة دولة يهود العالم على أرض فلسطين، وطرد من تبقى من الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، عن ديارهم. لذلك تراهن كل من روسيا والصين على أن ثبات الاستراتيجية الأميركية إلى جانب إسرائيل، سيحرج قادة الانتفاضات العربية أمام جماهيرها. فهي تصر على استخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع الاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، مما يكشف زيف الادعاءات الأميركية والأوروبية عن دعم حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها بحرية.
فمواقف الصين وروسيا تجاه الانتفاضات العربية، تنبع من الحرص الشديد على ضمان مصالحهما في هذه المنطقة بالغة الأهمية في الاقتصاد العالمي. وهي لا تضر بمستقبل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية مع الشعوب العربية كما يزعم بعض المحللين السياسيين، بل تؤسس لمزيد من التعاون الاستراتيجي مع الدول العربية المنتفضة. فليست لديهما أطماع استعمارية في المنطقة العربية، بل مصالح اقتصادية مشتركة تسعيان إلى الحفاظ عليها. وهما ترفضان استخدام العنف الداخلي، والتدخل الخارجي، وتعملان على حماية استثماراتهما الهائلة في المنطقة، وتقدمان عروضا للتسلح وإعادة البناء والإعمار بأسعار مغرية، وبكلفة أقل بكثير مما تطالب به الشركات الأميركية والأوروبية.
نخلص إلى القول إن النظرة العسكرية وحيدة الجانب إلى الانتفاضات العربية، خاطئة وخطيرة. فالعنف الدموي مولد لحروب أهلية ونزاعات دموية، لا يستفيد منها سوى التدخل الخارجي بالدرجة الأولى. وشعار تغيير النظام السياسي بالقوة العسكرية، يندرج ضمن استراتيجية «الفوضى البناءة» التي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية وشاركت فيها دول أوروبية، للعمل على إسقاط أنظمة عربية بالقوة المسلحة المدعومة مباشرة من حلف شمالي الأطلسي.
وهو منحى دولي بالغ الخطورة، تقوده العولمة الأميركية في حربها على الإرهاب الدولي، وفق تعريف أميركي يستثني إسرائيل ويصر على تسميتها زورا بالدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، علما بأن تظاهرات شعبية قاربت نصف مليون مطالبة بالعدالة الاجتماعية، كشفت زيف ديمقراطية إسرائيل التي تقودها منظمات عسكرية تعتمد أشد أساليب الفاشية قسوة ضد الشعب الفلسطيني. وقد نجح تقاطع الموقف الروسي والصيني حتى الآن، في الحد من الضغطوط الخارجية على الساحة السورية.
وتعمل الدولتان على إيجاد تقارب بين المعارضة والحكومة، لمنع استدراج تدخل حلف الناتو في سوريا على غرار ما حصل في ليبيا. فلدى الصين استثمارات كبيرة فيها، ولروسيا ديون هائلة عليها واتفاقيات تعاون استراتيجي معها، فساندتا سوريا في مجلس الأمن، ومنعتا استصدار أي قرار دولي لمعاقبة نظامها استنادا إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز التدخل العسكري.
ختاما، الديمقراطية السليمة هي نتاج نضج الظروف الموضوعية لقيامها، وهي مطلب أساسي لكل شعب حر يريد تقرير مصيره بنفسه، دون تدخل خارجي. فلا تأتي على دبابة أجنبية، ولا تستطيع جميع دبابات الأنظمة العربية مجتمعة تأخير ولادتها لأجل غير مسمى. ويتطلب نجاحها حوارا عقلانيا على أسس وطنية بين المعارضة والحكومة، توقف حمام الدم في الشارع السوري، وتلزم الحكومة السورية بإجراء إصلاحات جدية وجذرية في بنية النظام السياسي، لإطلاق مرحلة جديدة من الديمقراطية السليمة، التي يحتاجها الشعب السوري ومعه جميع الشعوب العربية.