تأتي زيارة رئيس الوزراء التركي ارودجان لمصر في ظروف بالغة الدقة لا تتصل فقط بالدولتين وعلاقاتهما الثنائية، وإنما أيضاً بأوضاع المنطقة والتطورات الهائلة التي تشهدها.
والدور الكبير الذي يمكن ان تلعبه الدولتان باعتبارهما قوتين إقليمتين أساسيتين. اللقاء بين تركيا الطامحة للعب دور أساسي في شؤون المنطقة وبين مصر بعد الثورة التي أنهت سنوات الركود والتراجع في الدور المصري، هو لقاء مهم في حد ذاته.
ولكنه يكتسب الآن المزيد من الأهمية في ظل التطورات الأخيرة في موقف تركيا تجاه إسرائيل، وطردها للسفير الإسرائيلي وتجميد علاقاتها العسكرية والتجارية مع الكيان الصهيوني بعد تقرير الأمم المتحدة عن حادث السفينة مرمرة ورفض إسرائيل الاعتذار عن قتل الرعايا الأتراك وتحمل مسؤولية ما حدث.
يأتي ذلك في نفس الوقت الذي تواجه مصر موقفاً مشابها مع العدو الإسرائيلي بعد مقتل جنودها على الحدود ورفض إسرائيل الاعتذار أو تحمل المسؤولية، رغم اندلاع التظاهرات الشعبية ومحاصرة السفارة الإسرائيلية بالقاهرة وإنزال علمها والمطالبة بطرد سفيرها.
البعض اعتبر الموقف التركي إحراجاً لحكومة مصر، لكن الموقف مختلف، ولا أظن أن طرد مصر لسفير إسرائيل أمر مستبعد إذا لم تستجب حكومة إسرائيل للطلبات المصرية بالمشاركة في التحقيق في الحادث، والاعتذار وتحمل المسؤولية اذا ثبتت مسؤوليتها، والأهم.. تعديل شروط الاتفاقية المصرية الإسرائيلية بما يؤكد سيطرة الجيش المصري على كل سيناء وإنهاء القيود المفروضة على تواجده في المناطق الحدودية بحكم الاتفاقية.
القضية بالنسبة لمصر أبعد من طرد سفير أو إغلاق سفارة. إنها قضية صراع ممتد وله حساباته المعقدة في هذه المرحلة والتي تختلف تماما عن حسابات تركيا. فمهما تعقدت الأمور بين أنقرة وتل أبيب فإن الحرب مستبعدة لأسباب كثيرة ليس أقلها أن الأخ الأكبر للجانبين (الولايات المتحدة الأميركية) قادر في النهاية على ضبط الأمور.
بينما الأمر على الجبهة المصرية يختلف، والحرب ليست بعيدة، والمؤامرة على سيناء ليست خافية، وضرب الثورة قبل استقرار الأمور قد يكون هدفاً تسعى إليه إسرائيل والقوى الداعمة لها في أميركا إذا ضمنت أن البديل سيكون استعادة «الكنز الاستراتيجي» الذي فقدته بعد ثورة مصر.
المهم هنا أن لقاء القاهرة ـ أنقرة (رغم أي تباينات في الظروف والمواقف) يجسد الانقلاب الكامل الذي تم في اوضاع المنطقة. لقد كانت تركيا على مدى ستة عقود هي الحليف الإقليمي الأكبر لإسرائيل، ولم يكن ذلك مجرد ظرف طارئ بل كانت استراتيجية كاملة لإسرائيل دعمتها الولايات المتحدة بكل قوتها منذ أن بدأت واشنطن تثبت أقدامها في المنطقة كوريثة للامبراطوريات الاستعمارية السابقة.
كانت إسرائيل تسعى منذ نشأتها لضرب الطوق العربي المحاصر لها، بفرض ما يمكن تسميته «محاصرة الحصار العربي» بالتحالف مع القوى الاقليمية الأخرى التي كان في مقدمتها تركيا وإيران الشاه وأثيوبيا.
وتلاقى ذلك مع سعي واشنطن لضرب الحركة القومية العربية ومحاولة فرض الأحلاف العسكرية التي رأينا منها أحلاف بغداد وأنقرة والحلف الإسلامي وغيرها، والتي كانت تركيا وإيران (وأحياناً باكستان) أطرافاً رئيسية فيها بجانب الأطراف العربية. وقد سقطت الأحلاف ولكن بقي التوجه العام للسيطرة على المنطقة من خلال قوى غير عربية تمنع توحد العرب وبناء قوتهم التي كانت واشنطن، تل أبيب تتفقان في رؤيتها كخطر ينبغي مقاومته.
وقد تغيرت الأمور كثيراً بعد ذلك. ذهبت إيران في طريق آخر بعد سقوط الشاه، وذهبت مصر أيضاً في طريق آخر بعد كامب ديفيد، وتراجعت حركة القومية العربية، وتم استنزاف العرب في حربي الخليج الأولى والثانية، وخيم الجمود على النظام العربي لسنوات طويلة.
وفي المقابل كانت علاقات إسرائيل مع تركيا تزداد متانة، وكان التراجع العربي يتيح لإسرائيل مد علاقاتها مع قوى كبرى كانت صديقة للعرب، ويمنحها القدرة على تحدي العالم والاستمرار في ابتلاع الأرض العربية وإنكار الحقوق الفلسطينية.
الآن تنقلب الأمور رأساً على عقب والتحالف الإسرائيلي ـ التركي يسقط والعلاقات بين الدولتين تمر بأسوأ مراحلها، في وقت تنفتح فيه تركيا على العالم العربي كما لم يحدث منذ سنوات طويلة، وتصبح لاعباً أساسياً في شؤون المنطقة التي غابت عنها لسنوات.
الربيع العربي ينهي جموداً استمر لسنوات ويطلق طاقات الشعوب العربية بعد طول قهر. وإسرائيل التي عاشت ثلاثين عاماً بحدود هادئة مع مصر تدرك الآن أن عليها ان تعيد حساباتها وأن تتوقع أن الأسوأ بالنسبة لها قادم، والوقت الذي كان من الممكن للبعض أن يتحدث فيه عن خريطة جديدة للمنطقة في غياب كامل للعرب قد انتهى. والتحالفات تتغير ومعها الأدوار التي تحكمها المصالح قبل أي شيء آخر.
في عهد الرئيس المصري السابق مبارك كانت هناك محاولات للتقارب مع تركيا، ولكنها كانت مع تركيا الحليفة الأساسية لإسرائيل، وكانت تركز على الجانب الاقتصادي أساساً ولم تحقق الكثير، إلا أنها مكنت الرئيس المصري من لعب دور لانقاذ الموقف بين تركيا وسوريا بعد توتر كاد يشعل الحرب بين البلدين على خلفية نشاط المقاتلين الأكراد بزعامة أوجلان ضد السلطات التركية انطلاقاً من الاراضي السورية. ويومها نجح مبارك في تهدئة الأمور وفتح الباب لنمو العلاقات السورية التركية لحد التحالف في الوقت الذي تراجعت فيه علاقاته بعد ذلك بالطرفين معاً.