بعد أقل من شهر، سيكون لدينا مجلس وطني جديد، بوجوه جديدة. وبموجب الدستور، فإن المجلس الوطني الاتحادي يعد السلطة الرابعة بعد المجلس الأعلى للاتحاد، ورئيس الاتحاد ونائبه ومجلس الوزراء. ومجلس بهذه المكانة تتوقع منه نتائج تليق بمستوى تلك الأهمية الممنوحة له من قبل الدستور.
تطور المجلس الوطني على مدى أربعين عاما كان بطيئا، غير أن النقلة النوعية التي شهدها المجلس عام 2006 من خلال انتخاب نصف أعضائه ضمن هيئات انتخابية، بواقع 100 ضعف عن النسبة الممنوحة لكل إمارة، ثم زيادتها إلى 300 ضعف في ترشيحات 2011، تعني أن المجلس يسير في الطريق الصحيح، ببطء، ولكن بثقة، كما يقول الفرنسيون. وتشكيل المجلس الوطني سيأخذ بكل تأكيد شكلا آخر في الفصول التشريعية القادمة. وسوف يلبي متطلبات الوضع الراهن الذي يمر به العالم وبالخصوص الوطن العربي.
صحيح أن هناك بعض الملاحظات التي ترد هنا وهناك تخص عدة قضايا تمس تشكيل ومهام وسير عمل المجلس، وقد فتح موقع اللجنة الوطنية للانتخابات الباب لكل من لديه ملاحظة أو رأي يدلي به للمسؤولين، إلا أن هناك آراء يجب أن تقترح وتدرس بعناية.
أولا، تعيين أعضاء المجلس مدة أربع سنوات متواصلة، قد يؤدي إلى الإحساس لدى النائب المنتخب بنوع من الأمن والطمأنينة (حقوق محفوظة للنائب أربع سنوات قادمة)، وخاصة إذا شعر بأنه لن يجدد له مجددا. الحقيقة أن الأربع سنوات التي منحت للأعضاء السابقين جعلتنا نشعر بأنها كانت طويلة جدا ومملة. إن تحديد مدة العضو بسنتين (قابلتين) للتجديد ربما حرك من نشاط واهتمام ودور الأعضاء.
صحيح أن هناك دولا ومنها على سبيل المثال فرنسا، تعتمد نظام الخمس سنوات لانتخاب أعضاء البرلمان، إلا أن الفارق بينها وبيننا يكمن في نسبة عدد السكان، وخاصة أن نصف عدد أعضاء مجلسنا معين مسبقا. هل هي مسألة تكلفة ووقت وتنظيم؟ ربما. غير أن الأهم استحداث آلية تفعل من دور النائب خلال الجلسات، فهناك أسماء من المجلس السابق لم تلمع إلا خلال فترة الانتخابات.
وعندما انتخبت، دخلت صامتة وصمتت خارجة. صحيح أنها خرجت ببعض الامتيازات المعنوية والاجتماعية والمادية، إلا أنها لم تقدم ما يذكر مقارنةً بالشعارات التي رفعتها، وبالمدة التي منحت لها، وبالامتيازات التي قدمت لها مقابل خدماتها.
ثانيا، لا نعلم إن كانت هناك آلية أو لوائح داخلية تختص بتقييم العضو بشكل دوري ومنتظم، فرئيس المجلس كربان السفينة - يجب أن يمنح أيضاً صلاحية تقييم طاقمه، فالنائب الذي يشارك في مجلس يأتي في المرتبة الرابعة على سلم السلطات السياسية بالدولة، ويحمل على عاتقه مسؤولية وطن بأكمله، يجب ألا يكون وجوده كعدمه. المشاركة تعني التفاعل والتواصل مع قضايا الوطن.
لذا، لا بد من أن يكون لرئيس المجلس دور في تفعيل النائب، إذ إن أعضاء المجلس الذي انتهت ولايته والحالي وهذا أمر واقع - قفزوا فجأة من الحياة العامة إلى الحياة النيابية. وليست لديهم خبرة تذكر في هذا المجال. وعلى قائمة المرشحين وردت أسماء نعرفها جميعنا، ونعرف تاريخها في مدى معرفتها بقضايا الوطن والمواطن من عدمه، وهذا لا يعني أنها غير قادرة على العطاء. فقط يبقى على رئيس المجلس القادم قيادة بحارته بحيث يوصل سفينته إلى بر الأمان.
النقطة الثالثة تتعلق بمدى تغلغل الأعضاء في شرائح المجتمع الذي ينوبون عنه في المجلس. المهمة ليست تشريفا بل تكليف. المجتمعات اليوم لا ترحم من يمثلها. هناك قضايا عديدة عالقة طرحت ولم تحل وأخرى لا نسمع عنها. عندما يمثلني النائب، عليه أن يتواصل معي، ويبحث عني، ويستمع إلي، وينقل قضيتي ويناقشها ويدافع عنها.
ونتمنى ألا يحدث مع أعضاء المجلس الجديد ما حدث مع أعضاء المجلس السابق. لقد أهلكونا طيلة فترة الانتخابات - اتصالاً ورسائل نصية ورسائل الكترونية وطلب زيارات منزلية خاصة جدا، وخرجوا علينا من حيث لا نحتسب، وتساءلنا كيف توصلوا إلى الحصول على أرقام هواتفنا؟ ثم اختفوا وتواروا حتى عن وسائل الإعلام، وانتهى الحماس كما بدأ. كنا نتمنى أن يظل التواصل مستمرا.
الوطن في حاجة إلى مناقشة قضاياه المهمة ومعالجتها بصراحة تامة وبدون تردد أو استحياء. إنها مسألة مستقبل وطن وليست جوازا خاصا وراتبا مغريا وهيبة فارغة. هناك قضايا عديدة شائكة لا بد من إعادة طرحها في المجلس الوطني القادم. نحن لم تعد تقنعنا الشعارات التي نسمعها ونقرأها على تلك اليافطات الملونة مع صور أصحابها التي تملأ شوارعنا.
ثم تتحول إلى فقاعات هواء. نحن في حاجة إلى من ينيب عن المواطن بشكل حقيقي وبوازع وطني صارم لا مجاملة فيه ولا مساومة عليه، فما آل حال الأمم إلى ما آلت إليه إلا عندما تهاون أصحاب المسؤولية، التي تنقل صورة المجتمع وأوضاع المواطن إلى أصحاب القرار، عن نقلها بالصورة التي رأوها عليه.
لا بد من دراسة موثقة وموضوعية عن سير المجلس السابق تبحث في دور الأعضاء وإيجابيات وسلبيات الدورات السابقة، ولا بد من لقاء يتم بين السابقين واللاحقين لمناقشة شتى أوجه نشاطات المجلس السابق والعقبات التي واجهتهم. لا بد من دور أكبر من قبل وسائل الإعلام في نقل مداولات الجلسات.
لا بد من برنامج تليفزيوني مستمر يلتقي في كل حلقة من حلقاته مع عضو من أعضاء المجلس، يناقشه في دوره في المجلس. لا بد ولا بد ولا بد. إن اهتمامنا بالمجلس الوطني الحالي يأتي من حرصنا على هذا الوطن الناهض، هناك البطالة، وهناك موت الشباب بالمئات وهم في مقتبل العمر أمام مقبض سياراتهم الفارهة، هناك مسألة الديون والاقتراض، هناك خلل التركيبة السكانية، هناك قضايا التعليم والصحة والإسكان، وأمور أخرى تأتي قبل الجواز الخاص والراتب والحصانة والبشت الفخم.