تثار تساؤلات عديدة داخل سوريا وخارجها حول أسباب تشتت المعارضة السورية وتعدد أطرافها، حتى أن النظام السياسي السوري صار يجيب من يطالبه بإشراك المعارضة في السلطة سواءً كان المطالب من الداخل أم من الخارج، أين هي المعارضة؟ فأنا لا أرى أمامي معارضة واضحة الأهداف والبرامج والتنظيم وذات قيادة موحدة، وما المعارضة التي تزعمون سوى بضعة أفراد مشتتي الرأي والموقف والتنظيمات.

وفي الوقت نفسه أخذت الدول الأخرى وخاصة الأوروبية والإدارة الأميركية تعبر عن شكوكها بفعالية المعارضة السورية وقدرتها على أن تتولى السلطة فيما إذا تغير النظام، وقد بذلت هذه الدول جهوداً كبيرة مع شرائح المعارضة وأحزابها وتجمعاتها، لإقناعها بإقامة معارضة موحدة يسهل عليها تغيير النظام أو ترحيله دون أن ينجح مسعاها.

ويستغرب السوريون من الموالين للنظام ومن المحتجين عليه والمتظاهرين ضده والمعارضين له بدورهم عن الأسباب التي تحول دون توحيد المعارضة السورية، خاصة وأن وحدتها التنظيمية ووحدة موقفها وبرامجها كفيلة بتهيئتها لتولي السلطة، أو جعلها قاب قوسين أو أدنى من ذلك.

لقد مارس النظام السياسي السوري خلال أربعين عاماً أساليب شتى ضد المعارضة، ونجح في إضعافها وتقسيمها إلى شرائح وفئات، وإجبارها على العمل تحت الأرض طوال كل هذه السنين، وحرمها من التواصل مع بعضها ومع الشعب، سواء كان التواصل عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام أم غير ذلك، وأصدرت السلطة لتحقيق هذا الهدف، عديداً من القوانين والقرارات والتشريعات قضى بعضها بعقوبة الإعدام على المنتسبين إلى بعض فئات المعارضة، وأدى ذلك موضوعياً.

إضافة إلى تذرر المعارضة وتحولها إلى شراذم متعددة، وتراجع القسم الأكبر من ناشطيها عن النشاط والنضال، وبالمناسبة اتبع النظام أسلوب تقسيم الأحزاب والتيارات السياسية هذا حتى مع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المناصرة له والمتحالفة معه، فصار الحزب الشيوعي ثلاثة أحزاب.

ومثله الاشتراكيون العرب، وانقسم الوحدويون الاشتراكيون إلى حزبين، ومثلهم فعل القوميون السوريون، وهكذا كانت سياسة تقسيم الأحزاب الموالية والمعارضة نهجاً ثابتاً للنظام السياسي السوري، أدى إلى إضعاف جميع هذه الأحزاب والقوى، سواء كانت تشكل خطراً عليه أم لا.

لهذه الأسباب ولغيرها، لم يكن لأحزاب المعارضة في الواقع أي دور فعال ورئيس في الحراك الشعبي السوري، أو في الاحتجاج والمظاهرات التي بدأت منذ ستة أشهر، مع أنها هي التي هيأت المناخ طوال أربعين عاماً لانطلاق الانتفاضة، وقد أدى نضالها بالإضافة إلى أخطاء النظام إلى تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا، ولكن.

وفي الوقت نفسه، فإن الجميع سواء من الحراك الشعبي والمحتجين وتيارات المعارضة والسلطة أم من المراقبين والدول الخارجية، يقرون أن أي حل للأزمة السورية لابد أن يمر بطريق المعارضة وأن تكون هي أداته ووسيلته، فرغم أهمية الحراك والمظاهرات والانتفاضة وقدرتها على تعطيل أي حل، فإن الحل الحقيقي يبقى في النهاية بيد تيارات المعارضة التقليدية وخاصة إذا نسقت مع الحراك الشعبي. وعندما تُسأل أحزاب المعارضة عن أسباب استمرار تناقضها وتشتتها رغم الأضرار الكبيرة التي يسببها هذا التناقض، الذي يعيق مشاركتها الجدية في السلطة أو توليها، ويحرجها أمام الشعب السوري والجهات

الأجنبية، تجيب إن أربعين عاماً من العمل السري خلق تقاليد وأساليب خاصة بالنضال وأسلوب اتخاذ القرار، ولكنها من جهة أخرى تؤكد أن أهدافها وبرامجها موحدة بالفعل، وتتلخص بالعمل الجاد والمشترك لتحويل النظام السياسي الشمولي الحالي إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي أي ينبني على(تداول السلطة).

ويقوم على تبني مفاهيم الدولة الحديثة كالمواطنة والحرية والمساواة والديمقراطية وتكافؤ الفرص والاعتراف بحقوق الإنسان وفصل السلطات وغير ذلك. وأن جميع أحزاب المعارضة وشرائحها وفئاتها تنادي بهذه الأهداف ولا تتجاوزها وتعتبرها خريطة الطريق اللازمة لتحول النظام والوصول إلى نظام جديد.

وبالتالي فبرنامجها موحد. أما بعد ذلك، أي بعد أن يصبح النظام ديمقراطياً ، فسيكون لكل حزب أو تيار خططه ومجالات نضاله ووجهات نظره المتعددة، وربما المختلفة أو المتباينة شأن كل المعارضات في العالم، وترى أحزاب المعارضة السورية أن لا ضرورة لقيام وحدة تنظيمية بين هذه الأحزاب، وتستشهد بأن أحزاب العالم المعارضة لم تقم وحدة تنظيمية بين فئاتها، وأن مطالبتها بوحدة تنظيمية هو لزوم ما لا يلزم.

سواء اقتنعنا بوجهة نظر المعارضة هذه أم لا ، فإن إخفاقها في تشكيل قيادة موحدة، هو تقصير يصعب تجاهله أو العمل بدونه، فالقيادة الموحدة كفيلة بالوقوف بوجه النظام نداً لند، وبإلزام الجميع في الداخل والخارج على اعتبارها أنها الآخر بالنسبة إلى هذا النظام، وتقطع الطريق على السلطة وتلكؤها بالإصلاح.

وأخيراً، ومهما كانت مبررات المعارضة السورية لاستمرار التشرذم، فإنها في الواقع، تبقى مبررات غير كافية وغير مقنعة، لا لجماهيرها وناشطيها ولا للجماهير السورية، ولا للجهات الخارجية مهما كانت أهدافها ونواياها.