مما لا شك فيه أن قوام كل دولة يرتكز على سلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية. وأساس عمل السلطة القضائية يكمن في إرساء قواعد العدالة والإنصاف، من خلال تطبيق القوانين والتشريعات تطبيقا صحيحا سليما، بما يعيد الحقوق لأصحابها.

ولقد حظيت السلطة القضائية في دولة الإمارات العربية المتحدة، باهتمام ورعاية القادة الحكام منذ قيام الدولة، وذلك من خلال إنشاء المحاكم والنيابات العامة في جميع إمارات الدولة، وبذل كل ما من شأنه تيسير عمل السلطة القضائية بما يحقق الغاية والمضمون، بل وما يعكس الصورة المشرفة للدولة في المجتمع الدولي، من خلال البرهنة على وجود قضاء نزيه وعادل يعطي كل ذي حق حقه، بصرف النظرعن جنسه أو دينه أو لونه. وقد مرت السلطة القضائية في دولة الإمارات بتطورات عديدة.

وما زال العمل جاريا لتطويرها بما يخدم العدالة وينسجم مع السياسة العامة التي تنتهجها الدولة في مختلف قطاعاتها، إذ لم يقف الأمر عند حد إنشاء المحاكم وسن التشريعات فقط، وإنما امتد إلى أبعد من ذلك، فدخلت الخدمات الالكترونية التي سهلت بعض إجراءات التقاضي.

كما أصبح لدينا قضاء سريع مقارنة بما كان عليه العمل في السابق، فسرعة الفصل في الدعاوى أصبحت سمة وميزة محاكمنا، رغم كمية الدعاوى المنظورة أمامها. ومن التطورات التي شهدتها السلطة القضائية في السنوات القليلة الماضية تنوع الدعاوى، مما استدعى إنشاء محاكم متخصصة ولجان خاصة، لنظر نوعية معينة من الدعاوى التي لها خصوصية مختلفة عن الدعاوى المعتادة.

لم يقتصر أمر تطوير السلطة القضائية على عمل المحاكم فقط، وإنما شمل النيابات العامة التي أصبحت مميزة أيضا في تقديم خدماتها، لا سيما الخدمات الالكترونية.

شمل التطور أيضا عمل المحامين والمستشارين القانونيين، حيث أصبح الاهتمام بتنظيم مهنة المحاماة أكثر مما كان عليه الوضع في السابق. ويبدو أن هنالك توجهات جادة للارتقاء بهذه المهنة، وذلك المأمول لأهمية هذا القطاع الحيوي ودوره المؤثر في منظومة السلطة القضائية.

إن الحديث عن التطورات التي مرت بها السلطة القضائية شيق ومهم، ولكن يبقى السؤال: هل ما تم في الفترة الماضية يجب أن يكون مبلغ طموحاتنا وتطلعاتنا؟ أم أن عمل السلطة القضائية كان وما زال أمام تحديات كثيرة يجب بلوغها واجتيازها بنجاح؟

بالطبع هناك تحديات كثيرة يجب اجتيازها، لإثبات جدارة السلطة القضائية في مواكبة التطورات والخطط التي تمضي بها دولة الإمارات كعضو نشط في المجتمع الدولي.

فالسلطة القضائية هي إحدى أهم مقومات نجاح أي دولة طامحة في جذب الاستثمارات وبناء علاقات دولية ناجحة، فبدون قضاء عادل من جهة، ومتطور من جهة أخرى، لا يمكن ضمان ثقة المجتمع الدولي. لذا فإن مسؤولية تطوير السلطة القضائية لا يقع على عاتق جهة معينة أو إدارة معينة في الدولة، وإنما يتطلب عملا جماعيا مشتركا من عدة جهات، للوصول إلى الغاية المنشودة. ومن أمثلة الجهود التي يجب أن تبذل لنيل هذه الغاية، وبالتالي اجتياز تحديات المرحلة المقبلة، ما يلي:

أولا؛ دور وزارة العدل:

بحكم أنها الجهة المناط بها الإشراف التام على المحاكم والنيابات الاتحادية، من حيث استقطاب القضاة وتنظيم عمل المحاكم والنيابات العامة الاتحادية، وكذلك تنظيم وترخيص المحامين والخبراء والمترجمين وغير ذلك من المهام الأخرى، فإن الدور الأكبر والمهم يقع عليها في تطوير عمل السلطة القضائية، على نحو الأمثلة الواردة في النقاط التالية:

1. اقتراح تعديل القوانين الإجرائية الخاصة بالتقاضي أمام المحاكم، سواء الإجراءات المدنية أو الجزائية، بما يخدم العدالة واالمصلحة االعامة للمجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار أفضل الممارسات العالمية التي لا تتعارض مع النظام العام للدولة، وتنسجم مع قواعد العدالة والإنصاف، وتطبيقها على إجراءات التقاضي أمام محاكم الدولة.

2. تفعيل الخدمات الإلكترونية بشكل عملي أكثر، وعدم الاكتفاء باستعمال الخدمات الإلكترونية لغايات تسجيل الدعاوى وتقديم الطلبات الإلكترونية فقط، وإنما تشكيل قاعات إلكترونية لسماع الشهود والخبراء الذين لا يتواجدون في الدولة، ضمن ضوابط قانونية يجب تشريعها أولا وتطبيقها في مرحلة لاحقة، بل ووضع خطة زمنية لمرحلة انتقالية يمكن فيها تقديم أوراق ومستندات الدعوى إلكترونيا، عوضا عن حجم الأوراق والملفات التي تكتظ بها المحاكم والنيابات العامة.

3. استقطاب قضاة على درجة عالية من الثقافة القانونية، لا سيما في المعاملات التجارية التي تتميز، بل وتنفرد بها دولة الإمارات، بحكم أنها واجهة التجارة وحلقة الاتصال بين الشرق والغرب. لذا فإن المطلوب ليس استقطاب الخبرات المتميزة في القوانين الإجرائية فحسب.

وإنما يجب استقطاب العقليات المتخصصة في مجالات متنوعة، كالتجارة الإلكترونية، المعاملات البنكية، المعاملات العقارية، القوانين البحرية وقوانين التأمين... إلخ. كما يجب أن يمتد الأمر إلى تأهيل جيل قضائي وطني، متخصص فيما ذكرناه آنفا. فشيء جميل أن نمتلك محاكم متخصصة أو ندعو إلى إنشائها.

ولكن الأجمل والمكمل لهذه الخطوة، هو أن يكون لدينا كادر قضائي مؤهل وعلى مستوى عالٍ من التخصص في المجالات التي ذكرناها وغيرها من المجالات القانونية الأخرى، حتى تؤتي دعوة إنشاء المحاكم المتخصصة ثمارها وتكون أكثر مصداقية وواقعية.

والأمر ذاته ينطبق على النيابات العامة، من حيث تأهيل جيل متخصص من وكلاء النيابة لتولي الجرائم الحديثة ذات الطابع الإجرامي غير المعتاد، مثل: الجرائم الإلكترونية، جرائم الفساد، جرائم الغش والتدليس في المعاملات التجارية، جرائم الاتجار بالبشر، وقضايا الإرهاب... إلخ.

4. أما في ما يتعلق بالمحامين والخبراء والمترجمين، فإن دور الوزارة يجب ألا يقتصر على ترخيص هذه الفئات وتجديد الترخيص، وإنما يجب أن يخضع المحامون والخبراء والمترجمون لاختبارات عملية ونظرية، قبل ترخيصهم للانخراط في المهنة.

فعلى مستوى مهنة المحاماة، أذكر أننا وقبل عشر سنوات كنا نشكو من قلة عدد المحامين، وكانت الدولة بحاجة لاتجاه بعض خريجي كليات الحقوق إلى هذه المهنة لسد الفراغ. أما الآن وقد أصبح العدد كافيا، فعلى الوزارة التركيز على النوعية بدلا من الكمية، إذ آن أوان اختيار النخب من شباب الدولة لارتياد هذه المهنة، بدءا من خضوع الخريج لدورات نظرية وعملية لفترة يجب ألا تقل عن عام، ومن ثم ترخيصه للترافع في القضايا المتداولة أمام محاكم الموضوع فقط، وهو المعمول به حاليا.

كما يجب التركيز في المرحلة المقبلة، على ضرورة إلزام جميع المحامين بحضور دورات ومؤتمرات مرتبطة بالمهنة، بحيث لا يجدد الترخيص إلا بعد حضور عدد معين من الدورات والندوات خلال العام، وهو ما يسمى بالتعليم المستمر، ذلك أن الغرض هو تطوير مهنة المحاماة بشخص من يمتهنها في تطوير ذاته وكفاءته المهنية ليواكب آخر التطورات القانونية والاقتصادية، وهذا بطبيعة الحال سيعزز تطوير المهنة أولا وكفاءة ممتهنيها ثانيا.

أما الخبراء فالحال ينطبق عليهم تماما، إذ يجب اختيار النخب والكفاءات لتقييدهم كخبراء ومترجمين مرخصين ومقيدين في جداول وزارة العدل، ولا ضير في الاستعانة بمكاتب التدقيق والاستشارات العالمية الموجودة في الدولة، لتطوير عمل الخبراء، لا سيما في مجالات المحاسبة.

والاستشارات الهندسية، والتدقيق والرقابة، وغيرها من التفرعات المختلفة، من خلال وضع خطط زمنية وبرامج عملية تخضع لها هذه الفئة للارتقاء بها، نظراً لما تشكله من أهمية في غالبية القضايا المتداولة أمام محاكم الدولة.. وللحديث صلة.