تشهد المناطق الحدودية العراقية في إقليم كردستان، قصفاً مدفعياً بشكل يومي تقريباً، وتشهد بين الحين والآخر اختراقات برية وجوية من قبل قوات تركية أو إيرانية، وكأن العراق بلد ليست لديه سيادة أو كرامة أو كبرياء. وبسبب هذه العمليات دُمر العديد من القرى المتاخمة للحدود مع هاتين الدولتين، فوق رؤوس ساكنيها الذين أكرهوا على مغادرتها والنزوح إلى أماكن أخرى بعيدة، تاركين وراءهم كل شيء.
تركيا ترى أن ضمان أمنها القومي أمر مشروع، حتى لو تطلب ذلك التجاوز على حرمات الجار، وهكذا ترى إيران أيضاً، ولكن ماذا عن البلد المنكوب المعتدى عليه وعلى أهله؟ ماذا عن العراق؟
لنتغاضَ، لوهلة فحسب، عن الأهداف السياسية التي تكمن وراء العمليات العسكرية الجارية في المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق، ولنتكلم عن المعاناة الإنسانية لسكان القرى العراقية في هذا المثلث، ولنصم آذاننا عن سماع الدعاوى الرسمية لهذه الأطراف الثلاثة، مفترضين أنها متساوية في علو الأصوات ومتساوية كذلك في درجة الانحياز لبلدانها.
وهو افتراض لا يصح البنيان عليه، لأن العراق شبه الصامت هو المعتدى عليه.. ولنلجأ للاحتكام لجهة حيادية لها هوية انحيازية واحدة، هوية الانحياز للإنسان وحقوقه في التمتع بحياة آمنة كريمة فحسب.
في هذا الصدد، نشرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش»، تقريرا في الثاني من سبتمبر الجاري، وصفت فيه واقع الأوضاع في المثلث الحدودي المشار إليه، وفق الأدلة المتوافرة لديها، قائلة «إن تركيا وإيران لم تفعلا ما يكفي لحماية المدنيين أثناء عمليات القصف للمناطق التي يشغلها المسلحون الأكراد في إقليم كردستان العراق»، وأضافت «ليس من المستبعد أن يكون قصف المدنيين من الجانب الإيراني متعمداً».
يعاني المدنيون من أكراد العراق القاطنون في المناطق الحدودية المتاخمة لإيران ولتركيا، منذ سنوات طويلة الكثير من جراء القصف المدفعي والاجتياحات الحدودية دون أن يقترفوا ذنباً، فهم ليسوا مسؤولين عن نجاح بعض أكراد تركيا أو أكراد إيران في التسلل عبر الحدود الدولية، رغم أنف الدول الثلاث، ليتخذوا من بعض المناطق الجبلية الوعرة في العراق قواعد لشن الهجمات على بلدانهم.
فإن كان هناك من يلام، فهو السلطات الرسمية العراقية، سواء ما كان منها تابعاً لإقليم كردستان أو تابعاً للحكومة المركزية في بغداد، التي وقفت عاجزة عن حماية حدود البلد.
وقد ضاعف من معاناة هؤلاء حرص الجهات الرسمية، على مستوى الإقليم ومستوى المركز، على تجاهل ما يجري من أحداث، مما أجج غضب الشعب العراقي، خاصة المنظمات المدنية في المحافظات الحدودية التي قامت بحملة احتجاجات كسبت بها تعاطف أوساط واسعة في بقية محافظات العراق، وشكلت عامل ضغط أخرج الحكومة عن صمتها، لتقوم وزارة الخارجية العراقية، على استحياء، بإدانة ما يتعرض له العراق من خروقات وانتهاكات لسيادته.
إلا أن هناك ما هو أكثر أهمية في هذه القضية، أهم كثيراً من مجرد تصور أن الدافع للعمليات العسكرية التركية ـ الإيرانية، هو مجرد تصدي تركيا لحزب العمال الكردي التركي (بي كي كي) وتصدي إيران لحزب الحياة الحرة (بيجاك)، المستهدف هو إقليم كردستان العراق نفسه.
المستهدف الحقيقي هو الحلم القومي الكردي، حلم الدولة الكردية، ذلك المشروع الذي بدأ يجد طريقه إلى الواقع، بعد نجاح أكراد العراق في فرض أنفسهم على الخارطة العراقية، وفي إقامة إقليم خاص بهم في إطار فيدرالي داخل الدولة العراقية.
وأصبحت التجربة الناجحة والمتميزة في البناء التي خاضها أكراد العراق، عامل إلهام قوي لأكراد الدول المجاورة، في ظروف تشهد فيها المنطقة انتفاضات وثورات قد لا يُستثنى أي بلد من تداعياتها. ويشكل الأكراد، من حيث الكثافة السكانية، القومية الثانية في كل من تركيا والعراق وسوريا، والقومية الثالثة في إيران.
كانت القضية الكردية، منذ أعيد رسم خرائط الشرق الأوسط ونشوء دوله بحدودها الجغرافية الحالية، بُعيد انهيار الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إحدى البؤر الكامنة التي يمكن أن تفجر صراعات تهدد استقرار هذه الدولة أو تلك. فقد خسر الأكراد فرصة الحصول على دولة خاصة بهم، وذلك مراعاة لمصالح الحلفاء الجدد للغرب.
وأصبحت الدول الأربع التي توزع فيها الأكراد: تركيا والعراق وسوريا وإيران، خصماً استراتيجياً للقضية القومية الكردية. فعلى مدى عقود طويلة، سيطر الفكر العرقي للقومية الأكبر على السياسات في هذه الدول، ليهمش الآخرين ويسلب حقوقهم القومية.
ورغم أن الرفض الكردي كان عاملاً مشتركاً لكل الأكراد للواقع الذي فرض عليهم، إلا أن أكراد العراق كانوا الأكثر رفضاً لهذا الواقع، والأكثر جرأة لتحديه بسلسلة حركات مسلحة، منذ ثورتهم الأولى بقيادة محمود الحفيد قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
الوضع السياسي على أرض الواقع في العراق، يجعل إقليم كردستان أكثر قرباً للدولة المستقلة، من كونه كيانا داخل العراق الفيدرالي، فهو يمتلك ميزانية مالية، ولديه دستور خاص به، وله مجلس وزراء، ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، ويحرس حدوده جيشه الخاص. أما على المستوى الخارجي، فقد نجح في إقامة علاقات سياسية مع حلفاء أقوياء على رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أكثر من محفل وملف سياسي في المنطقة.
في هذا السياق تنظر الدول التي يقلقها التململ الكردي في ساحاتها، إلى أكراد العراق وإقليمهم نظرة توجس وتخوف وريبة، وتعتبره المسؤول روحياً، إن لم يكن واقعياً وعملياتياً، عن أنشطة المنظمات القومية الكردية في بلدانها.
إن القصف التركي ـ الإيراني المزدوج في إقليم كردستان العراق، يعزز الميل لترجيح وجود اتفاق غير معلن بين الدولتين، للتعامل مع الحلم الكردي الذي يعتبرانه أبرز الأخطار التي تهدد أمنهما القومي، على الرغم من أنهما يرعيان محورين سياسيين متعارضين في المنطقة.