هل صحيح أننا حين نستكثر من الأولاد، إنما نضع في أذهاننا خدمة الوطن ورفده بالطاقات البشرية العاملة المبدعة الخلاقة؟ أم أن المسألة عادة فيزيولوجية غير منضبطة في كثير من الأحيان؟ في الواقع، هي ثقافة مجتمع تجذرت ونمت وتربت عليها الأمم العربية منذ البدايات، وما زالت لدى البعض تسيطر على طريقة فهمهم وتقييمهم لعملية البناء المجتمعي، فكثرة الإنجاب والتباهي بأعداد الأبناء فكرة متجذرة في مجتمعنا، على الرغم من تغير معطيات الحياة مقارنة بمتطلباتها العصرية. في العقد السابع من عمره، ومن 17 زوجة من 10 جنسيات مختلفة اقترن بهن عبر 4 عقود، وعلى ذمته 4 نساء.

وتنوع مصير زوجاته السابقات ما بين طلاق ووفاة، وصلت الحصيلة المبدئية من الأولاد إلى 92 ابناً، أكبرهم في الـ38 من العمر وأصغرهم يبلغ 8 أشهر، واثنين آخرين رهن رؤية الحياة قريباً، ويطمح للوصول إلى 100 ولد عبر مواصلة الزواج والإنجاب بأرقام تثير الدهشة، ليدخل بذلك إلى موسوعة غينيس، لرفد الوطن بالعناصر المواطنة! هذا هو فحوى الخبر الذي أوردته إحدى صحفنا المحلية عن رجل في الـ62 من العمر، نرجو له دوام الصحة والبركة في المال والأولاد.

لكن ها هنا إطلالة صغيرة على واقع لا بد من النظر إليه، تتكلم فيه لغة الأرقام الحقيقية، بدلاً من قوائم الأنساب وشجرات العائلات، يدور حول حقيقة قدرتنا على تحقيق التوازن بين الكم والكيف حتى في الأبناء.. ليس ممنوعاً أن نتكاثر فنملأ الآفاق ذرية من الذكور والإناث، فهم زينة الحياة الدنيا، ولكن هل فكرنا في الكيف الإنساني البشري قبل أو أثناء انشغالنا بالكم العددي؟ أليس حقيقة أن تدريس ولدين وتأمين حياة كريمة لهما تضمن ارتقاءهما العلمي، أيسر وأسهل من المهمة ذاتها إذا كان المقصود بها تربية وتعليم عشرة أبناء، فما بالك لو كانوا زهاء المئة؟!

ما المانع أن نضبط أنفسنا أمام مؤشر الكيف لا الكم، لعلنا نقدم لمستقبلنا نماذج تستطيع انتشالنا من وهدتنا بدلاً من العنوسة والبطالة؟ أؤكد أنني لا أعارض قناعات الناس في تكثير الذرية، كما أؤكد أنني بصدد انتقاد الشخصية النموذج وليس هذا الرجل بعينه، ولكن الواقع يقرع جرس إنذار خجول في أذن المجتمع، بأن ينظر إلى خارج إطار الاندفاع العاطفي ولو قليلاً، ونعتقد جازمين أن ألف شاب ناضج متفتح متعلم معطاء، خير من آلاف تغص بهم النوادي والملاهي الليلية على اختلاف ألوانها.. ليس عيباً أن نضبط مسألة النسل في حدود المعقول، لا أن نكون مقلدين للآخرين ونكتفي بولد واحد مثلاً، ولا أن نبالغ لدرجة يصبح فيها تذكر أسماء الأولاد معضلة تستدر الضحك المؤلم في كثير من الأحيان!

فكيف للأب أن يتحمل مسؤولية أبنائه جميعاً في زمن الانفتاح على كل شيء، وهو يبلغ من الكبر عمراً، وأولاده صغار يحتاجون منه إلى الحزم والرعاية أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب؟!

ولذلك ينبغي أن تبادر المؤسسات المعنية في المجتمع، لوضع البحوث والخطط والدراسات قيد النظر العميق، وإيجاد المخارج المنطقية لمعادلة الإنجاب والتطوير، بما يتوافق مع عاداتنا وتقاليدنا ومعطيات الحياة المعاصرة ومتطلباتها.

وعلى الضفة المقابلة، على الأبوين أن يقفا أمام صخرة المسؤولية المناطة بهما، ليفكرا ملياً، قبل أن يقدما على قرار كثرة الإنجاب، في تأمين المستقبل للأبناء، ويسترشدا بآراء الأخصائيين الاجتماعيين والتربويين، لتكون المؤسسة الأسرية حاضنة حضارية حقيقية، تهم المجتمع قبل أن تهم الأبوين القريبين، وتؤثر في مستقبل الوطن قبل أن تؤثر في مستقبل الآباء والأبناء.

والشيء الذي لا بد من الوقوف عنده، والذي يمثل إشكالية وطنية لها علاقة ماسة بالهوية، ألا وهي العائلات مختلطة الجنسية، وذلك حين يكون الأب مواطناً إماراتياً وتكون الأم من جنسية أخرى هي على الأغلب آسيوية. ومع تقديرنا بلا شك لجميع الجنسيات، إلا أن الهوية والعناية بها وتوريث الثقافة العربية، تقتضي الوقوف قليلاً عند هذه القضية، لأننا سنجد أطفالاً مذبذبي الهوية بين الأم والأب، ومشتتي الانتماءات شاؤوا أم أبوا، بين الثقافتين والأبوين، وهو ما يوجد حالة من عدم الاستقرار النفسي والأسري تنعكس على المجتمع ككل.

وينبثق عن هذه المسألة لون من ألوان خلل التركيبة السكانية. ولا شك أن الإعلام بكافة برامجه ووسائله، مطالب هو الآخر بممارسة دوره التنويري في هذه المسألة، وتقديم النماذج الناجحة في الحياة أفراداً وأسراً لتكون في ذهن الأبوين، ولنترك التعاطي الخجول المتردد مع هذه القضية، حتى لا تغرق السفينة بنا جميعاً ونكتشف أخيراً أن الوطن بدأ يئن من كثرة النماذج المكررة غير الفاعلة، ويكد في البحث عن نماذج يستثمر فيها قبل أن تستثمر فيه.

إذا كان هاجسنا رفد الوطن بالأبناء، فلنرحم الوطن من الخلل في توازن معادلة الكم والكيف.