أشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، التي صدرت تباعاً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحت عنوان: «تقرير التنمية الإنسانية العربية»، إلى توصيف دقيق لواقع العالم العربي في مطلع الألفية الثالثة، وتضمنت تحليلاً مفصلاً لكثير من المشكلات السكانية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وشددت على أهمية العلوم العصرية ودورها في تحقيق الأهداف المستقبلية، لعملية التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في العالم العربي. وأوصت بضرورة الاستيراد الكثيف للتكنولوجيا المتطورة، ليس فقط للانتفاع بها، بل أيضاً لتحويل الطاقات العربية من قوة استهلاكية بحتة إلى قوة إبداعية مبتكرة.
دلت معطيات تلك التقارير على أن مجموع سكان العالم العربي في العام 2000، بلغ نحو 280 مليون نسمة، وسيرتفع إلى قرابة 350 مليوناً في أواسط القرن الحادي والعشرين. وهم يتوزعون على دول عدة يتفاوت حجم السكان فيها بشكل حاد، إذ يقدر عدد سكان مصر بنحو ثمانين مليون نسمة، تقابلها دول صغيرة يترواح سكانها ما بين المليون إلى المليوني نسمة. لكن تأثير النمو المتزايد في المنطقة العربية، لم يكن كبيراً في مجال الرفاه الاجتماعي، بسبب حجم الزيادة السكانية الذي تضاعف خلال فترة قصيرة في الدول العربية.
ويعاني معظم الدول العربية من انعدام العدالة في توزيع الناتج القومي، ومن معدلات بطالة تزيد على 10% في صفوف القوى العاملة، وتصل نسبة البطالة المقنعة في بعض الدول العربية إلى أكثر من 30%. وبحلول العام 2010، كان يتوجب على الدول العربية خلق فرص عمل لنحو خمسين مليون عامل جديد التحقوا بسوق العمل داخل الوطن العربي، وفي ظروف سلبية للغاية من حيث التشريع، والمساءلة القانونية، والرقابة الفاعلة، ومحاربة الاحتكارات، وحماية القوى المنتجة من البطالة وتحكم رأس المال، والميل المتزايد لاستغلال عمل النساء والأطفال في ظروف غير صحية وغير أخلاقية.
ومع أن الدول العربية أحرزت تقدماً ملحوظاً في تطور المعرفة بالقراءة والكتابة، بعد مرحلة الاستقلال السياسي، فقد دلت تلك التقارير على زيادة معدلات الأمية في المجتمعات العربية، إلى أن باتت أعلى من المتوسط الدولي، وحتى على مستوى الدول النامية. وما زال عدد الأميين في ازدياد، بعد أن دخل العرب القرن الجديد مثقلين بعبء نحو ستين مليون بالغ من الأميين، معظمهم من النساء. وإذا ما طبقت المعايير الحديثة لتوصيف الأمية، وبشكل خاص مؤشر استخدام أجهزة الكومبيوتر والإنترنت وسائر أشكال التكنولوجيا الحديثة لمصادر المعرفة، فإن نسبة الأمية تصل إلى أرقام مذهلة تطال غالبية البالغين من العرب. نخلص إلى القول إن الزيادة السكانية المتفاقمة، وهيمنة الأنظمة التسلطية العربية، وانتشار الفساد والإفساد عل نطاق واسع.. وغيرها، تلعب دوراً أساسياً في إعاقة الشعوب العربية عن الاستفادة من استيراد التكنولوجيا المتطورة، والعمل على توطينها والإبداع فيها.
لقد اعتمدت فلسفة التنمية العربية التي طبقت خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل خاطئ، على تبديد المواد الخام دون توظيف عقلاني في رأس المال البشري، الذي يشكل القاعدة الأكثر أهمية في بناء الإنسان العربي، بثقافة عصرية وتكنولوجيا متطورة. ومع فشل خطط التنمية العربية في تحقيق أهدافها المرجوة، برز خلل حاد في المجتمعات العربية بسبب هدر الإمكانات، فزادت حدة الأزمات الاقتصادية، والاجتماعية؛ كالبطالة، والأمية، والأمراض، والدين العام، والتصحر، واستنزاف الموارد الطبيعية العربية.
في المقابل، تمت الاستفادة من الطاقات البشرية في الحدود الدنيا داخل الوطن العربي، الذي شهد نزوحاً حاداً للأدمغة العربية، والعمال المهرة، وأصحاب المهن الحرة، نحو البلدان المتطورة. فتراجعت نسبة الإنتاج في جميع الدول العربية، وتوهمت الأنظمة العربية أن الاعتماد الواسع على مداخيل النفط، يجعلها قادرة على ضبط الاستقرار الداخلي بالقوة، بعد أن حجبت كل أشكال الدعم عن قطاعات الإنتاج الأساسية، كالزراعة، والصناعة، والحرف، وتم التركيز على قطاع الخدمات الاستهلاكية عالية الكلفة. ووظفت نسبة كبيرة من رأس المال العربي الثابت، في مشاريع غير منتجة؛ كبناء القصور، والفنادق الفخمة، والمطاعم، ومراكز اللهو والتسلية. وانخفضت إنتاجية الفرد العامل العربي، إلى أقل من نصف إنتاجية العامل في كوريا الجنوبية والأرجنتين.
وتراجعت نسبة الزيادة في الإنفاق الحكومي على التعليم في مختلف مراحله؛ الجامعي والمهني والأساسي، ما شكل عائقاً كبيراً أمام تواصل الشباب العربي مع العلوم العصرية والتكنولوجيا المتسارعة في عصر العولمة. واستمر نزف الأدمغة وهجرة الكفاءات العلمية العربية إلى الخارج، وتدني مستوى التحصيل العلمي والمعرفي الذي قاد إلى غياب عرب الداخل عن دائرة الإبداع الثقافي، والاكتشافات العلمية، والتطور التكنولوجي. فتطوير التعليم يتطلب سياسة إنمائية واضحة المعالم، وطويلة الأمد، تقوم على استغلال التقنيات الحديثة في مجال التعليم، وتزويد المتعلم بأدوات تكنولوجية حديثة، تساعده على الحصول على معرفة دقيقة والاستفادة منها في توطين شخصيته وأدوات إبداعه.
في هذا المجال، تلعب الدولة العصرية دوراً أساسياً في تطوير التعليم، عبر تطوير المناهج، والبرامج، والأنشطة التربوية، والإعداد الجيد لمعلم من طراز جديد، يتم تدريبه بشكل مستمر على الطرق التربوية الحديثة والتفاعل مع العلوم العصرية. وهناك حاجة ماسة لربط التعليم المهني والتقني بحاجات المجتمع، لتطوير القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج معاً. ولا بد من استمرار الدولة في تحمل مسؤولية الإنماء التربوي، والمساهمة المالية في نفقات التعليم في مختلف مراحله، ليشمل جميع شرائح المجتمع حتى لا يكون حكراً على أولاد الأغنياء والميسورين. فزيادة الأمية مؤشر أساسي على تراجع موقع الفئات الوسطى والدنيا، ودخول المجتمعات العربية في دائرة الفساد الخلقي، والجرائم، والسرقات، والمخدرات، وتفكك العائلة، وانعدام الأمن الشخصي والاجتماعي.
وتتحمل الدولة مسؤولية مباشرة عن تراجع البحث العلمي، الذي ساعد على هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج، وغياب الظروف الموضوعية لتحسين عمل المثقفين وزيادة الإنتاج الثقافي والفني الجيد.
ختاماً، هزت الانتفاضات الشعبية في العام 2011 المجتمعات العربية بعنف، فأدرك الجميع، حكاماً ومحكومين، أن الإصلاح الجذري يتطلب خروج العرب من دائرة التخلف المريع، ومن حالة فقدان القرار السياسي والصلابة الوطنية والقومية، وهيمنة التبعية الاقتصادية والبلادة الثقافية، وذلك يتطلب تعزيز مناخ الحرية والإبداع، واعتماد الكفاءة الشخصية على جميع المستويات. وليس من شك في أن مستقبل الانتفاضات العربية، رهن بقدرتها على خلق مجتمع ديناميكي قادر على مواجهة تحديات العولمة، والتفاعل الإيجابي مع التكنولوجيا المتطورة، التي ساهمت بعمق في إنجاح تلك الانتفاضات.