التاريخ مليء بالثورات على الأنظمة المستبدة والإمبراطوريات الفاسدة والدكتاتوريات والأنظمة الإقطاعية. على مر تاريخها، تكاد لا تُستثنى بقعة واحدة من الأرض مهما صغرت، من ثورة أو انتفاضة أو تمرد بهذا الشكل أو ذاك.
للثورات أسس ومحفّزات، ومنطلقات، وآفاق وأبعاد واستراتيجيات. مثلاً، الثورة الفرنسية اندلعت بسبب فساد النظام الإداري الإمبراطوري، وانتشار الفقر والجوع بين الشعب على نطاق واسع. الثورة البلشفية الشيوعية، اندلعت بناء على نفس الأسس تقريباً، حين استحوذ القياصرة على جل ثروة روسيا؛ تركوا شعوبهم لقمةً سائغةً للفقر والجوع والبؤس والتخلف. الثورة الإيرانية واجهت إمبراطوريةً مزمنة مستبدةً، للتخلص منها انتهج الشعب الإيراني أسلوب ثورة شعبية عارمة، مزودة بالوقود الفكري الروحي.
الحديث عن الثورات يطول ويمتد، من عمق التاريخ وحتى الحاضر، إلى المستقبل المنظور والبعيد. من الثورات ما احتفظ بزخمه وواقعيته ومصداقيته لدى أتباعها لزمن بعيد نسبياً، ومنها ما حمل بذور فنائها بين أيديها. هنالك ثورات مضادة سرعان ما بدأت منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الأصل. لم يُحسن الثوار الجدد سلوكهم إزاء الواقع الجديد. بدأوا يتصرفون كأباطرة وطغاة جدد، على أنقاض من اعتقدوا أنهم طغاة بائدون. نصبوا المشانق وفتحوا ساحات الإعدامات الجماعية، ونشروا السجون السرية والعلنية. توسّعوا في انتهاكات حقوق الإنسان، في غمرة نشوة الانتصار والاستحواذ على الثروة والسلطة والقرار السياسي.
قد تبدأ الثورات المضادة على نطاق ضيق؛ تتعاظم ببطء وهدوء، أو بشكل متسارع مثل كرات الثلج المتدحرجة، ثمة الملتهبة. حتى إذا ما وجدت عوناً مناسباً حاسماً، لتقلب السحر على الساحر والطاولة على متقاسمي كعكة الثورة الأصل. من الثورات ما فقد مكتسباته في باكورة عهدها؛ بضع سنوات. منها ما استطاع البقاء والمضي لعشرات السنين، قبل أن تبدأ الثورات المضادة بتركيب نواجذ فاعلة تستطيع بها حسم الأمور لصالحها.
الثورات العربية المنتصرة حتى الآن، ليست فريدة من نوعها، بل يمكن تصنيفها على أنها متأخرة عن مواعيدها. هي ليست عملاً جباراً، هذا مع عدم التقليل من شأنها وعلى الإطلاق. الثورات التونسية والمصرية والليبية، حققت انتصارات وإنجازات يجب أن تُستغل لمصلحة الأوطان والأجيال الحالية والقادمة. عليها أن لا تغالي في محاسبة البائدين الذين ذهبوا من الحكم، بدواعي الانتقام والتشفي، أو حتى إحقاق العدالة الثورية الجديدة. للعدالة مفهوم وأفق فضفاض، إذا لم يطبّق جيداً يأت بمفعول عكسي سلبي أو حتى قاتل. يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات ثورات مضادة، تبقي الأجيال بعيدة عن التركيز على التقدم والتطور والبناء والتعمير.
الثورات العربية المستمرة حالياً والقادمة، قد تستفيد مما حصل ويحصل مع الثورات المنتصرة. الثورات العربية الدائرة الآن في بلدان أخرى، في طريقها لتحقيق انتصارات مشابهة على أنظمة تميزت بأنها دكتاتورية فاسدة، متسلطة على رقاب شعوبها. عليها أن لا تتبع أساليب الإرهاب والتقتيل والانتهازية في الحصول على المكاسب. نحن في زمن يختلط الحابل فيه بالنابل، وقد تولد الثورات المضادة بسهولة من رحم الثورات الأصل. المجتمعات العربية الثائرة، تعج بأنصار وأتباع الأنظمة البائدة؛ تنتهز فرصاً للانقضاض على الثورات الجديدة. تستغل الأخطاء الجسيمة التي ترتكبها قيادات الثورات، أخطاء ميدانيةً وفكريةً وسياسيةً وتكتيكيةً واستراتيجيةً.
يراقب العالم الخارجي الأوضاع في البلدان العربية الثائرة، عن كثب وبحرص على سير الأمور في اتجاه الاستقرار البنّاء. بالذات لا يريد العالم الخارجي رؤية أنظمة متشددة، تتكون على أنقاض أنظمة كانت تتصرف نشازاً، في سياساتها الداخلية والخارجية.
التطرف الفكري والعقائدي، من أكثر أوجه وقوع الثورات في تناقض صارخ مع تطلعات شعوبها، وغيرها من الشعوب والأمم والحضارات والأيديولوجيات الأخرى.
ستشهد المرحلة القادمة امتحانات عسيرة للشعوب والقيادات التي ثارت على حكامها، خاصة التي تلقت دعماً دولياً حاسماً. يتجسد ثمن الدعم الدولي، الغربي هنا، بما تقدمه الأنظمة الجديدة من مساهمات فعالة في استقرار النظام الدولي السائد.