في أحد المجالس الرمضانية العامرة، دار حوار جانبي حول الملكية الفكرية.. ومع أنني لم أكن طرفا في ما جرى من حديث، إلا أنه تأكد أن بعض الأدعياء يشوشون على آخرين، بما يعتقدون أنه صحيح وهو ليس كذلك.. بالنسبة لي، ليس عيبا أن نجهل نحن وغيرنا بعض أو الكثير من المصطلحات العلمية أو الفكرية التي تدخل حياتنا، بسبب الإسهامات العديدة التي يجرفها تيار المعارف الإنسانية بين حين وآخر..

 لكن العيب أن نسوق لآخرين ونروج لمفاهيم دون التأكد من سلامتها، وباعتقاد أن ما نقوله أمام آخرين هو عين الصواب. يعتبر مفهوم المسؤولية الاجتماعية من المصطلحات المعاصرة، شأنه شأن الحوسبة أو الحوكمة أو الشفافية أو المساءلة أو الاستدامة وغيرها.. التي عادة ما تصدر عن خبراء أو أساتذة كبار أو علماء مرموقين، في معرض مساهماتهم في المؤتمرات العلمية التي تنعقد هنا وهناك..

أو من خلال أوراق عمل تعدها المنظمات الإقليمية أو الدولية، عند طرح إحدى القضايا الهامة على بساط البحث أو للدراسة، سواء في مؤتمر أو ندوة أو حلقة علمية.

أعود للقول إن مفهوم الملكية الفكرية، تزامن مع تأسيس المنظمة العالمية للملكية الفكرية (wipo) عام 1967، وهي من أكبر المنظمات المنضوية تحت مظلة الأمانة العامة للأمم المتحدة، والتي تتخذ من العاصمة السويسرية جنيف مقرا لها. كان الهدف من إنشاء المنظمة، هو تأسيس نظام دولي متوازن وفعال، يعمل من أجل الترويج لمفهوم الملكية الفكرية، وتعزيز روح الخلق والابتكار، والتعريف بحقوق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة.

ويترافق مع ذلك استصدار اتفاقية دولية للملكية الفكرية، من أجل حماية حقوق المبدعين والمؤلفين، فضلا عن إيضاح علاقة الملكية الفكرية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.. وفي وقت لاحق أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية، وأوصت كل الدول الأعضاء باعتمادها والعمل على تنفيذ بنودها.

 ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 188 دولة، أي نحو 97% من دول العالم وصادقت على الاتفاقية. وتفاعلت منظمات المجتمع المدني مع أطروحات الاتفاقية الدولية لحماية الملكية الفكرية، فانضمت أكثر من 160 منظمة وجمعية أهلية لعضوية المنظمة.

ولعله من الأهمية الإشارة إلى أن الجهات المعنية في دولة الإمارات، وافقت على تأسيس جمعية الإمارات للملكية الفكرية، وسنعرض لأهدافها لاحقا.

وقد أصبحت قضايا الملكية الفكرية ذات ارتباط وثيق بالشؤون العامة والخاصة لحياة الناس، لاتصالها بكافة أشكال الإنتاج التقني والفكري والفني والصناعي والإبداعي والجمالي.. ولعل ذلك ما جعل منظمة "الايبو" أكثر وكالات الأمم المتحدة انشغالاً بقضايا التجارة الدولية، وتمكين التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهي قضايا تندرج تحت طائلة أهداف وزارات الاقتصاد وغرف التجارة والصناعة وبيئات الأعمال وكبرى شركات القطاع الخاص. وتحضرني الحملة التي نظمتها وزارة الاقتصاد عام 2010 للتعريف بقضايا الملكية الفكرية، وكانت الأولى من نوعها في المنطقة واستمرت أسبوعين، لتوعية المواطنين بقضايا الملكية الفكرية وأثرها على الاقتصاد الوطني.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدول التي انضمت إلى اتفاقية التجارة الدولية (الغات)، والتي انضمت إلى عضوية منظمة الملكية الفكرية، أصبحت معنية بتنفيذ حماية الملكية الفكرية حماية لاقتصادها الوطني، لأن أي خروقات أو تجاوزات لحقوق الملكية الفكرية تلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد الوطني.

ومن هذا المنطلق تتضافر جهود وزارة الاقتصاد وكافة الجهات المعنية بسياسات التنمية المستدامة، وجمعية الملكية الفكرية، لمحاربة السلع المقلدة والمغشوشة والمزورة، وكافة أشكال القرصنة وسرقة الإبداع التقني والأدبي والفكري وممارسات أخرى تسيء بالضرورة، بل تمس المصالح الوطنية، كما تعيق انسياب وتدفق الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

تأسيساً على ما تقدم، يتأكد أن الملكية الفكرية ليست مفهوماً مجردا وليست ترفاً فكرياً، بل عملية ذات أبعاد تجارية وقانونية ومجتمعية.. ذلك أن قانون حقوق الملكية الفكرية يساهم، بل يعمل على حماية أفراد المجتمع من مخاطر سرقة العلامات التجارية، وترويج الأدوية والعقاقير والمعدات والأدوات والسلع المغشوشة.

والتي تلحق أشد الضرر بالمستهلكين وبحياة الناس.. كل الناس. وللملكية الفكرية مجالات عديدة ومن أهمها: حق المؤلف، والإدارة الجماعية، والحقوق المجاورة. وقد نعرض لها بالتفصيل في فرصة أخرى.. ولكن يبقى الأمل معقودا على جمعية الإمارات للملكية الفكرية، خصوصاً بعد أن تم إشهارها رسمياً، لتنظيم سلسلة من المحاضرات والمؤتمرات والندوات لتسليط الضوء على قضايا الملكية الفكرية، وشرح ميادينها والمكتسبات التي يمكن أن تتحقق من إنشاء هذه الجمعية، والتي نأمل ألا تصدر شهادة وفاتها قبل الأوان، شأن ما آل إليه مصير معظم الجمعيات ذات النفع العام التي ولدت ميتة.