اختلفت الطرق، ولكن ها هو الشعب الليبي يسقط نظام القذافي، وها نحن أمام مثلث للثورات العربية المنتصرة في تونس ومصر ثم ليبيا، ومازالت البقية في الطريق.
انتظرناها من الشرق أو من القلب، فإذا بالثورة تندلع ــ على غير كل التوقعات ــ من تونس الخضراء، وإذا بالحدث يتحول إلى عاصفة حين أبدعت مصر إحدى أهم الثورات في تاريخنا الحديث. ورغم العقبات والارتباكات في مسار الثورتين، فإن تغير المشهد في القطرين العربيين وضع نظام القذافي بين فكي الكماشة.
ولم يكن غريباً انتحاب الرجل على بن علي ثم مبارك بعد سقوطهما، فقد أدرك أن شعب ليبيا لن ينتظر طويلاً، وعرف المأزق الذي سيكون فيه وحدود بلاده الشرقية والغربية مفتوحة للثوار بعد ان أصبحت تحت سيطرة نظامين جديدين لن يقدما له بالتأكيد ما كان يستطيع الحصول عليه من بن علي ومبارك في مواجهة الثورة.
الثورات الثلاث لم تكتمل، والتحديات أمامها كثيرة، والطريق أمامها طويل، ومع ذلك فإن السؤال عن التنسيق بينها يطرح نفسه بحكم المخاطر التي تتعرض لها، وبحكم الجوار الذي يجعل لما تتعرض له إحداها آثاره الأكيدة على الجميع، وبحكم الآمال التي يعقدها الوطن العربي كله على هذا المثلث في تقديم النموذج الذي يدفع الربيع العربي إلى الأمام.
تختلف الأوضاع بالطبع بين تونس ومصر، حيث انحاز الجيش في اللحظات الحاسمة إلى الشعب، فتجنب البلدان تكلفة حرب داخلية بشعة تحملتها الثورة الليبية حتى انتصرت، ومازلنا نرى آثارها المدمرة في سوريا واليمن.
ومع ذلك فنحن أمام ثلاث ثورات أسقطت أنظمة قد تختلف في التفاصيل ولكنها تتحد في التوجه الأساسي المستبد والمعادية للحرية، والناشر للفساد والتخلف. ونحن أمام تركة ثقيلة تركتها هذه الأنظمة وراءها، وأمام مخاطر هائلة تواجهها الثورات الثلاث من الداخل والخارج.
في الداخل، هناك فلول الأنظمة مازالت تحتفظ بالكثير من قوتها، ومازالت تتآمر على الثورات وتراهن على إفشالها. وهناك المخاوف التي تنتاب الكثيرين على مدنية الدولة وعلى ديمقراطيتها في ظل الخلافات والانقسامات بين القوى الليبرالية والقومية والتقدمية من جانب وقوى الاسلام السياسي من جانب آخر، وهناك الفزع الذي تثيره جماعات متطرفة تبدو أقرب إلى فكر «القاعدة» ظهرت في سيناء وتتواجد في تونس، ويصرخ محذراً منها مصطفى عبد الجليل قائد المجلس الانتقالي في ليبيا.
ومن الخارج تبدو الأقطار الثلاثة وكأنها قد أصبحت ميداناً لمعركة تخوضها قوى دولية وإقليمية لتثبت نفوذ سابق أو اكتساب نفوذ جديد أو لاستنزاف قوى الثورة قبل أن تحكم سيطرتها على الأوضاع وتخلق واقعاً جديداً. وقد زاد الوضع التباساً بعد التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا وما يفرضه من تساؤلات حول الثمن المطلوب لهذا التدخل، كما زاد الوضع التباساً أيضاً بعد العدوان الإسرائيلي الخطير على الحدود المصرية وما يكشف عنه من نوايا إسرائيلية تجاه سيناء.
في ظل الأوضاع الخطيرة، قد يكون التنسيق بين الثورات الثلاث أمراً ضرورياً. هذا التنسيق سيوفر تعاوناً مطلوباً في مواجهة قوى الإرهاب وقطع الطريق على الجماعات القريبة من «القاعدة» حتى لا تنتهز فرصة الارتباك في الأوضاع الانتقالية لترسخ وجودها هنا أو هناك.
وهذا التنسيق مطلوب ليوفر دعماً للقوى الديمقراطية في الدول الثلاث وهي تواجه فلول الأنظمة السابقة والمتربصين بالثورة والرافضين للدولة المدنية التي تكفل حقوق كل الموطنين، وتمنع إعادة إنتاج أنظمة الاستبداد مهما تخفت وراء شعارات دينية أو دنيوية.
وهذا التنسيق مطلوب لمواجهة المحاولات الخارجية لفرض واقع جديد يضع العقبات أمام عروبة هذه الثورات واتجاهها للتكامل في ظل ربيع عربي مازال فاعلاً ومستمراً في الإنجاز. إن مصر التي تواجه عدواً دائماً على حدودها الشمالية الشرقية لا تريد بالطبع ان تتحقق مخاوف البعض بوجود عسكري دائم لـ«الناتو» على حدودها الغربية.
ولا شك أن التنسيق بين الثورات الثلاث يحقق للأشقاء في ليبيا ما يساعدهم على مواجهة أية ضغوط في هذا الاتجاه، ويعطي للدول الثلاث موقفاً أقوى في إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية بما يحفظ مصالحها، ويؤكد هويتها ويخلق كتلة من قوى الثورة قادرة على بناء الديمقراطية وتحقيق التنمية ومعالجة آثار عقود من الاستبداد والفساد والتراجع الشامل.
التنسيق مطلوب لحماية كل واحدة من الثورات الثلاث، ولحماية ربيع عربي طال انتظاره.