دعوة الرئيس الروسي ميدفيدف في الرابع والعشرين من أغسطس المنصرم، عشية انهيار النظام الليبي، أنصار القذافي المخلوع وقادة المعارضة للجلوس على مائدة مفاوضات للتوصل إلى صيغة تتعلق بمستقبل ليبيا، جاءت نشازاً في سياق تسارع الأحداث في المسرح الليبي وتداعياتها. فقد صرح الرئيس ميدفيدف عقب لقائه الرئيس الكوري الشمالي في موسكو قائلاً «القذافي ما زال يحتفظ بقوات عسكرية، وروسيا تأمل في توقف المعارك والصدام المسلح، وتدعو كل الأطراف للتفاوض والتوصل إلى تسوية حول مستقبل البلاد».
هذه الدعوة الغريبة تأتي في غير محلها مكانياً وزمنياً، إذ سقطت العاصمة الليبية بأيدي الثوار ولم يعد لدى القذافي وأنصاره رصيد يسمح لأن يكون لهم رأي في مستقبل ليبيا. وأصبح الزعيم الليبي طريداً يبعث برسائل صوتية لجماهير لا وجود لها لقمع الثورة ويرسل تهديدات جوفاء لأبناء شعبه عبر كاسيتات صوتية كما فعل ذلك طرداء آخرون قبله.
ترك نظام القذافي وراءه تَركة ثقيلة على مدى يزيد على أربعة عقود من الرزايا والجرائم داخل ليبيا وخارجها ناهيك عن إهدار أموال الشعب الليبي لتنفيذ مشاريع جنونية عبثية ليس لليبيا مصلحة فيها، تركة بهذا الحجم لا تسمح لمن أسهم في صنعها وعمل حتى آخر لحظة على الدفاع عنها واستمات في سبيل الإبقاء عليها أن يكون له دور في رسم مستقبل ما بعدها.
دعوة الرئيس الروسي تستوجب التوقف عندها لغرابتها، فهي قد تُفسر على أنها مناكفة قطبية لو كانت روسيا بحجم الإتحاد السوفيتي الذي ورثته. ولكنها ليست كذلك مع أنها لا تولي هذه الحقيقة ما تستحقه من اهتمام، فهي غير راغبة في التخلص كلياً من جلدها السوفيتي القديم الذي تحالفت تحت غطائه مع دول عديدة لمجرد أن هذه الدول ترفع شعارات العداء للغرب، للولايات المتحدة بشكل خاص، بغض النظر عن هوية هذه الدول ومدى حسن أو قبح سجلاتها مع شعوبها. روسيا ما تزال مبقية على إحدى قدميها في الماضي الذي تحن إليه.
ما شاهدناه مؤخراً في ليبيا هو إحدى حلقات مسلسل تهاوي الأنظمة التي كانت حليفة للإتحاد السوفيتي أبان حقبة الحرب الباردة، وهي على أية حال قد لا تكون الحلقة الأخيرة. فهذه الدول، ليبيا احداها، أجزاء من منظومة تتكامل مع الإتحاد السوفيتي السابق ومع سياساته ولا تتناقض معها، وكان من الطبيعي جداً أن تأخذ طريقها نحو الانهيار مع انهيار الإتحاد السوفيتي. ولكن روسيا مترددة وغير راغبة في اتخاذ قرار بالتخلي عن هؤلاء الحلفاء وفك ارتباطاتها بهذه الدول على الرغم من أن هذا التردد بدأ يلحق الضرر بمصالحها.
مواقف روسيا السياسية تنسجم مع إستراتيجية رسمتها لنفسها منذ تفكك الإتحاد السوفيتي وهي عدم التورط في عمليات عسكرية ميدانية بعيدة عن أراضيها. وقد اكتفت على مدى الشهور الستة التي استغرقتها تنحية القذافي بمراقبة المشهد السياسي والعسكري ومتابعة تأرجح الاتزانات بين قوى الصراع الثلاث في الساحة الليبية : الموالون للقذافي، المعادون له، الناتو، وتنتقل وفق ذلك من موقف لآخر.
إن التردد الروسي وعدم وضوح موقفها كان جلياً منذ بداية الأزمة الليبية، فقد اضطرت وسارت الصين في ركابها تحت تأثير الضغوط الدولية إلى عدم الاعتراض في مجلس الأمن الدولي على قرار استخدام قوات الناتو لحماية المدنيين الليبيين من قوات القذافي. وحين بدأت قوات الناتو عملياتها العسكرية وذهب بعض المدنيين ضحية لذلك بطريق الخطأ، بدأت روسيا بتوجيه النقد لها على ذلك.
ثم عرضت روسيا التوسط بين القذافي والمعارضين له وفشلت في هذه المهمة لرفض الطرفين ذلك، ثم تخلت كلياً، وهي ترقب اختلال التوازنات لصالح المعارضة، عن القذافي مطلع يونيو المنصرم حين أعلن ذلك الرئيس ميدفيدف في لقاء الثماني الكبار الأخير في فرنسا.
موقف روسيا الأخير وفق تصريحات الرئيس ميدفيديف الأخيرة يكشف أن روسيا تعتبر ما يجري في ليبيا حرباً أهلية بين فريقين وأن الحل الأمثل هو التوصل إلى صيغة ترضي الطرفين. وموقف كهذا يدخل تحت باب المحاولات الروسية العقيمة لمنع الغرب من الإنفراد بالساحة الليبية ورسم مساراتها بعد مرحلة القذافي، لأن لذلك مساس بمصالح روسيا في هذا البلد من جهة وضربة لهيبتها من جهة أخرى.
روسيا قلقة مما ستتمخض عنه الأحداث في ليبيا، فلها مصالح كثيرة في هذا البلد وهي لم تكن طيلة الستة شهور الماضية في موقف المتعاطف مع الثوار وقضيتهم. فقد استثمرت مبالغ كبيرة في مشاريع الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز وفي بناء السكك الحديدية في ليبيا.
وكان آخر استثماراتها شراء 50 % من أسهم الشركة الايطالية «إيني»، أي ما يعادل 33.33 % من أسهم الكونسورتيوم العالمي الذي يشارك في تطوير حقلِ «الفيل» النفطي/ الغازي الليبي، وأبرمت اتفاقية بذلك في السادس عشر من فبراير الماضي بقيمة 360 مليون دولار. هذا إضافة إلى ما تدره مبيعات السلاح الروسي إلى ليبيا من أموال على الخزينة الروسية.
صحيح أن روسيا استلمت تطمينات بشأن العقود والاتفاقيات الاقتصادية المعقودة مع ليبيا حين قام ميخائيل مارغيلوف، رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، بتكليف من الرئيس الروسي بلقاء بعض قادة الثوار في بنغازي التي زارها في مهمة المصالحة الفاشلة بين عاصمة الثوار بنغازي والعاصمة الليبية طرابلس في يونيو المنصرم.
ولكن هذه التطمينات قد لا تكون مقنعة للقادة الروس ما لم تعززها تطمينات من دول الناتو التي حسمت الصراع الليبي لصالح الثوار. وإذا صح ذلك والتزم النظام الليبي الجديد بالعقود والاتفاقيات المبرمة مع روسيا كاملة فذلك لن يلحق خسائر بروسيا، إلا أن مستقبل الاقتصاد الليبي سيكون منفتحاً، بكل تأكيد، على دول الغرب التي ساندته دون تحفظ أو قيود.