طوى الثوار الليبيون صفحة مهمة من التاريخ الليبي المعاصر، تاريخ استمر أكثر من أربعة عقود من الظلم والطغيان، وليبيا اليوم في مفترق طرق خطير قد يؤسس هذا المفترق لمستقبل ليبيا في السنوات القادمة، وفي هذه المقالة لا نريد الخوض في ما اقترفه نظام القذافي من أخطاء تجاه الشعب الليبي وتجاه العلاقات الخارجية الليبية، الأمر الذي أدى إلى غياب المكانة الإقليمية لدولة غنية بالنفط وتمتلك موقعا استراتيجيا مهماً يعتبر حلقة الوصل بين إفريقيا وأوروبا. بل نريد تسليط الأضواء على مخاطر مغريات الانفتاح الديمقراطي الذي سيسود ليبيا حتما بعد فجر الحرية وعلى التحديات التي ستواجه المجلس الانتقالي الليبي والحكومة الليبية القادمة عبر انتخابات يفترض بها ان تكون حرة ونزيهة.

اولا: مخاطر الانفتاح الديمقراطي

ينبغي ان يعي قادة المجلس الانتقالي في ليبيا ان شعبهم غابت عنه مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والإعلام لمدة 40 عاما، وهذه السنوات العجاف رسخ من خلالها نظام القذافي ثقافات هدامة تمثلت بثقافة الزعيم الأوحد المعصوم عن الخطأ والكتاب الأخضر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه.

كما رسخ هذا النظام ثقافة (اللادولة) فلا مؤسسات سياسية ترعى شؤون البلاد والعباد، وإنما لجان شعبية تسيّر شؤون البلاد دون استراتيجية قومية للتنمية الشاملة والمستدامة، وإنما لجان شعبية تعمل وفق أهواء قادتها الذي يتم اختيارهم على ضوء مدى ولائهم لنظام القذافي ومستوى علاقاتهم مع أبناء القذافي.

 من هذا المنطلق يجب أن يدرك قادة المجلس الانتقالي في ليبيا أن التحدي أمامهم كبير في عملية التحول الثقافي والفكري لشعب عاشت أربعة أجيال منه في ظل نظام واحد لم يكن قابلاً للتغير أو حتى التطور. فحتى يضبط المجلس الانتقالي إيقاع العملية السياسية الجديدة في ليبيا عليه أولا أن يرسخ مفهوم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان كثقافة وطنية لابد منها لبناء أسس العملية الديمقراطية الجديدة في ليبيا الحرة.

حتى يصل الشعب الليبي إلى مستوى المسؤولية في ممارساته الديمقراطية القادمة على ضوء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فبدون إرساء ثقافة الحرية والمواطنة الديمقراطية ستتحول العملية السياسية في ليبيا إلى فوضى عارمة يتحكم بها زعماء قبليون قد يتحالفون مع بقايا نظام القذافي وقد يتبعهم شعب لم يستوعب بعد مبادئ الحداثة في الفكر الإنساني.

 

ثانيا: التحديات الإستراتيجية

يجب أن يدرك المجلس الانتقالي أن أمامه حاليا هدفين يحتلان المرتبة الأولى في عملية التخطيط السياسي لليبيا ما بعد القذافي، الهدف الأول هو إرساء الأمن الوطني في عموم البلاد وخصوصا ضبط الحدود والموانئ وباقي منافذ الدولة على العالم.

والهدف الثاني هو الحفاظ على الوحدة الوطنية الليبية، من كل مخاطر الانقسام والقبلية والتيارات السياسية المحتمل أن تبرز في هذه الأيام في ليبيا وخصوصا التيارات الإسلامية المتشددة.

وفي ظل تحقيق هذين الهدفين وبعد ترسيخ مبادئ الديمقراطية في ليبيا سيتمكن الشعب الليبي من انتخاب ممثليه في البرلمان وهؤلاء سينتخبون لجنة دستورية تأسيسية لكتابة دستور جديد لليبيا وستنبثق حكومة وحدة وطنية ممثلة لجميع أطياف المجتمع الليبي وتكون قادرة على أن تضع رؤية استراتيجية قومية لليبيا تصحح المكانة الإقليمية لليبيا في إفريقيا والعالم.

وبعد هذين الهدفين، يأتي هدف ثالث لا يقل أهمية عن الهدفين السابقين، ويتمثل في طبيعة السياسة الخاصة بالتعامل مع الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، بعد المساعدة العسكرية واللوجستية التي قدمها هذان القطبان إلى الثوار الليبيين للقضاء على نظام القذافي.

فيجب أن تكون سياسة ليبيا مع هؤلاء، سياسة تتصف بالحكمة والموازنة بين المتغيرات التالية، فلا ينبغي أن يتم تجاهل هذين القطبين في عملية إعادة اعمار ليبيا وضمن ما يسمى بعقود الإعمار، كما لا ينبغي أن يستغل هذان القطبان (أوروبا والحلف الأطلسي) دورهم العسكري في ليبيا فتبدأ عملية نهب مبرمج للثروات الليبية وكأنهم ورثوا النظام الاستعماري الايطالي في ليبيا سابقاً.

والمتغير الثاني الذي يتطلب موازنة دقيقة في التعاطي معه هو، حدود السيادة الليبية، فلا ينبغي أن يترك قادة المجلس الانتقالي الغرب ليقرر مصير ليبيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتفاضة شعبية جديدة، كما لا يجوز الاستغناء عن مساعدة الغرب في إعادة ليبيا إلى مكانتها في المجتمع الدولي، فالدور الغربي هنا في غاية الأهمية.

هذه المخاطر المرتبطة بالانفتاح الديمقراطي والتحديات الاستراتيجية أمام قادة المجلس الانتقالي في ليبيا، تحتاج هي الأخرى إلى جهد عربي دؤوب من اجل مساعدة ليبيا في الخبرات والاقتصاد والتعاون المشترك من اجل أن تعود ليبيا جديدة وقوية يمكن ان تساهم في قوة العرب في عالم بات لا يعترف إلا بالقوة ومن يمتلكها.