يتنامى مؤخراً غضب القطاعات التي حملت أوباما حملًا للبيت الأبيض. فبينما يعبر رموز التيار التقدمي عن إحباطهم الشديد بسبب سياسات أوباما، أعلن رئيس اتحاد العمال الأميركي قبل أيام، أن الاتحاد لن يؤيد بالضرورة أوباما في انتخابات 2012. وقد جاء هذا التصريح بعد أيام قليلة من تصريح معاكس كان قد أدلى به أحد قيادات الاتحاد، قال فيه إن الاتحاد سيدعم أوباما "لئلا يحتل الجمهوريون البيت الأبيض". وغضب الاتحادات العمالية والمهنية له ما يبرره، فأداء أوباما باهت للغاية إزاء الهجمة اليمينية في عدة ولايات ضد حق الاتحادات في التفاوض الجماعي.

وفي خضم أزمة اقتصادية طاحنة، يطرد خلالها أصحاب الأعمال آلاف العمال من وظائفهم، يعطي أوباما الأولوية لعجز الموازنة وسقف الدين، لا للبطالة، ويوافق على خفض الإنفاق الاجتماعي وتخفيض ضرائب الأغنياء.

واتحادات العمال التي وقفت بكل قوتها وراء أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ليست أكثر ولاءً للرجل وحزبه من الأقليات، خصوصاً السود، الذين عبرت قياداتهم أيضاً عن غضب واضح إزاء الرئيس. فقد أعلن ثلاثة من أهم نواب الكونغرس السود، تذمرهم واتهموا أوباما بتجاهل قضايا السود. فالنائب إلايجا كامنغز، أحد زعماء حركة الحقوق المدنية، قال "نحن محبطون تماماً، والناس تريد أن تعرف ما إذا كان الرئيس يشعر بمعاناتهم. فهو عليه أن يعلم أن الكثيرين يعانون، وعليه أن يعود إلى الجواد الذي حمله (للبيت الأبيض)". أما النائب المخضرم جون كونيرز، فقد أعلن غاضباً أنه يريد للرئيس "أن يعلم أننا قد فاض بنا الكيل، ونريده أن يقف في صفنا لا أن يقف متفرجاً". أما النائبة الجريئة ماكسين ووترز، فقد صرحت بأنها "سئمت" مثل غيرها من دعم أوباما، واتهمته بأنه تجاهل زيارة أحياء السود في جولاته الانتخابية الأخيرة.

وسبب الغضب، أن سوء الأوضاع الاقتصادية تزداد وطأته على السود أكثر من باقي الأميركيين، لأسباب كثيرة. فالبطالة بين السود تراوح الآن 20%، وهو ضعف نسبتها تقريباً لدى البيض. ورغم أن السود أكثر الجماعات على الإطلاق ولاءً للحزب الديمقراطي عموماً ولأوباما على وجه الخصوص، إلا أن الأوضاع المتردية قد أدت لانخفاض شعبية أوباما بينهم لأكثر 10% خلال الشهور الأخيرة، وإن ظلت شعبيته في أوساطهم هي الأعلى بين كل الجماعات والقوى الأميركية.

والأميركيون من أصل لاتيني ليسوا أفضل حالًا في عهد أوباما من السود، ويعاني أوباما من انخفاض شعبيته في أوساطهم، فضلاً عن انخفاضها في أوساط المرأة والشباب البيض، وهي القطاعات التي لعبت دوراً حاسماً في فوزه بالرئاسة. باختصار، فإن القوى التي تمثل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي، ليست راضية عن سياسات أوباما. والحقيقة أن تلك ليست المرة الأولى التي تشعر فيها قاعدة الحزب الديمقراطي، بأن الرئيس الذي حملته للرئاسة قد تخلى عنها وتجاهل قضاياها. لكن المفارقة هي أن هذا التذمر، لا يمثل بالضرورة خطراً أكيداً على فرص أوباما في إعادة انتخابه.

ففي العقود الأربعة الأخيرة، لم ينتخب الأميركيون سوى ثلاثة رؤساء ديمقراطيين فقط (كارتر وكلينتون وأوباما). وقد نجح ثلاثتهم بفضل قاعدة انتخابية تقدمية في جوهرها، ثم حكم من يمين الوسط وليس حتى من الوسط. وفي حالة كلينتون، الذي انتخب لمرة ثانية، فإنه رغم تذمر تلك القاعدة واتهامها له بأنه تجاهل مطالبها، إلا أنها عادت وأعطته أصواتها لولاية ثانية.

وتفسير تلك المفارقة يكشف عن الكثير من عورات النظام السياسي الأميركي ومعضلاته. فهناك سببان على الأقل يشرحان لماذا يحكم الرئيس الديمقراطي من يمين الوسط، فتكون قاعدة حزبه على يساره؟ ولماذا تعود تلك القاعدة لانتخابه من جديد؟

والسبب الأول، أن الولايات المتحدة تتبنى نظام الحزبين، لا التعددية الحزبية. فرغم أن هناك عشرات الأحزاب في أميركا، إلا أن النظام السياسي نفسه منحاز ضد تلك الأحزاب، ويحابي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على نحو يضمن استمرارية نظام الحزبين. ومن هنا، فإن كل قطاع أو جماعة تقارن بين الحزبين الكبيرين، وفق الأقرب لتحقيق مصالحها. وعلى ذلك، فإن العمال والأقليات والتقدميين، لا يمكنهم التصويت للحزب الجمهوري لأنه الأكثر خطراً على مصالحهم. وعليه فإن الكل لحظة الانتخابات يختار وفق منطق أهون الشرين، وهو ما يدركه المرشحون الديمقراطيون جيداً، ومن ثم يعتبرون أن الحصول على أصواتهم من المسلمات، لأنه لا يمكنهم التصويت للحزب الجمهوري.

لكن هذا التفسير وحده ليس كافياً لفهم الظاهرة. فاليمين الأميركي في الوضع نفسه، فلماذا لا يتخلى المرشحون الجمهوريون عنه باعتبار أنه لا يملك ترف التصويت للديمقراطيين؟ هنا تأتي أهمية الإشارة للسبب الثاني، وهو أن الحزب الديمقراطي صار أسيراً للمال وأصحاب الأعمال وجماعات المصالح القوية. فإذا كانت تلك هي القطاعات التي تمثل قاعدة الحزب الجمهوري أصلًا، فإن مرشحي الحزب ليسوا في حاجة للتخلي عنها. أما الحزب الديمقراطي الذي يعتمد مرشحوه على أموال الشركات العملاقة والأثرياء وجماعات المصالح القوية في حملاتهم الانتخابية، فإن عليه أن يختار بين إرضاء من يمولونه، من وول ستريت والشركات العملاقة وجماعة المصالح الثرية، وبين من يعطونه أصواتهم. فإذا كان ناخبوه في ظل نظام الحزبين لا ملاذ لهم حتى لو تجاهلهم الحزب، يصبح الحزب أكثر حرية في الانحياز للممولين، فالهدف هو فوز الحزب، وليس بالضرورة التعبير عن مصالح الناس!

ومن هنا، فطالما ظل الحزب الديمقراطي أسيراً للمال ودوره في السياسة، وما دامت لم تنشأ في أميركا أحزاب أخرى قوية تستطيع المنافسة على قدم المساواة، فإن بإمكان أوباما الفوز بولاية ثانية رغم تذمر قاعدته. الاستثناء الوحيد والذي يظل قائماً بقوة، هو أن تحجم قطاعات قاعدته الانتخابية تلك التي أصابها الإحباط، عن التصويت أصلًا. حينئذ، يفوز المرشح الجمهوري، مهما كان ضعيفاً أو متطرفاً.