بين الانهيار المالي المدوي، والمأزق الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط، ناهيك عن الاضطراب المتمادي في إدارة الصراعات الدولية، تبدو إدارة الرئيس باراك أوباما في لحظة مراجعة حاسمة. وفي هذه الآونة على وجه الخصوص، تنصبّ التساؤلات في الجملة، ضمن ما يجوز تسميته بـ"وعاء البحث عن صورة أميركا المقبلة"..
العقل الأميركي، بما يُشهد له به من قدرة على التكيّف مع الأزمات الكبرى، هو اليوم أمام اختبار تاريخي للقيام بتظهير هذه القدرة. وإذا كان هناك من الخبراء من يميل إلى ترجيح أهلية النخب السياسية والاقتصادية الأميركية لجهة ابتكار مخارج من الأزمة الراهنة، ينحو آخرون نحواً مخالفاً. ذلك أن الإعصار النقدي الذي يضرب المال العالمي، يندرج ضمن مروحة متعدّدة الأضلاع طفقت تلفّ الولايات المتّحدة مع بداية القرن الواحد والعشرين. والسؤال الذي يطلقه المشهد الراهن، هو: هل تنجو أميركا مما هي فيه من أجل أن ينجو العالم من الكارثة المحققة؟
لو أخذنا "بفلسفة التكيّف" كآلية تحليلية، سوف نقع في الفكر الاستراتيجي الأميركي على طائفة من العوامل التكوينية، من شأنها أن تجعل أميركا دولة مؤهلة للجواب على إشكاليات استعادة حيويتها كدولة عالمية.
عامل أول: اعتقاد الأميركيّين بأنه لا مناص من الاعتراف بعمق المشكلة، خصوصاً حين تكون ضخمة وخطيرة كالتي يعيشونها اليوم. إن هذا الاعتقاد ينبسط على قاعدة قوامها: إن لم يتم الاعتراف بالمشاكل التي تواجه أميركا، وإن لم يتم التّنبّؤ بها، فإن المخاطر ستكون أعظم.
وبحسب فقهاء الفكر السياسي، فإن الاعتراف بالحقائق هو من السمات التأسيسية للأمة الأميركية. فربما كانت أميركا المعاصرة ـ على ما يقول هؤلاء ـ هي الأكثر انتقاداً لنفسها من أي دولة أخرى. فالتقارير القومية غالباً ما تكشف إخفاقات المجتمع، وتتضمن انتقادات كثيرة للنواقص القومية، وكلها تعكس مزاجاً قومياً يكثر من التأمل في ذاته.
عامل ثانٍ: الذين يعاينون التجربة الأميركية الحديثة، وتحديداً تلك التي جرت خلال القرن العشرين، يحيلون أسباب القدرة على احتواء الأزمات، إلى التزام الشعب الأميركي فكرة التغيير الديمقراطي، وتالياً لكون التقليد الأميركي الخاص بالحوار الداخلي الحر، وبالتعبير المفتوح عن عدم الاتفاق، أو الاختلاف.
في إطار هرم تنظيمي صارم، شكل عاملاً مهماً وحاسماً في تطوير هذا التجاوب للتغيير. بل أكثر من ذلك فإن هذين العاملين السابقين أدّيا إلى احتواء حركات الاحتجاج اليسارية والدينية المحافظة، وتحويلها إلى فائض تاريخي يخدم عقيدة التفوّق الأميركية.
عامل ثالث: رغم وجود العنف السياسي والاجتماعي، إما بسبب العنصرية الأنكلوساسكونية، أو لأسباب تتعلق بالتفاوتات الطبقية، وغياب العدل الاجتماعي، فإن الحياة الأميركية ظلت مفعمة بالنمو السريع الذي أحدثته التكنولوجيا وتطورات العلوم، وأخيراً ثورة المعلوماتية والاتصالات.
ذلك ما ولّد ضروباً من السكينة السوسيواقتصادية، جعلت المجتمع الأميركي المتعدد من أكثر المجتمعات العالمية قدرة على امتصاص الصراعات الطبقية، أو النزاعات الناتجة من ديناميات التمييز العنصري، أو حركات الاحتجاج السياسي الناجمة عن التداعيات الكارثية لحروب أميركا في العالم.
عامل رابع: شكلت حالة الالتحام بين ديناميات الواقع الاقتصادي الاجتماعي والاتجاه السياسي المحافظ، عنصراً إضافياً في توليد نظام تعددي أثبت جدواه في احتوائه للتغيرات غير العادية. هذا النظام التعددي هو نظام مرن إلى درجة استثنائية، إذ بسبب توفّره على خاصيّة بنيوية قادرة على التوليد والابتكار، فإنه أفلح في الغالب في تفسير "شيفرة" التحذير التي كان يطلقها التوتر السياسي ـ الاجتماعي المتصاعد.
عامل خامس: إذا كانت إحدى أبرز سمات الظاهرة التاريخية الأميركية، هي القدرة على التلاؤم مع تقلّب الأحوال والأزمنة، فذلك يعود في شطر وازن منه إلى حيوية اللاّهوت الديني البروتستانتي، الذي ساهم في ولادة الظاهرة، فهو اللاّهوت الوحيد الذي امتاز بالقدرة على التحوّل إلى "دين مدني" يجمع بين التديّن الحاد والعلمنة الحادة، ضمن وعاء عجيب التركيب من التنوعات العرقية والإثنية والدينية والثقافية والحضارية.
عامل سادس: وهو ناتج من المركّب الخاص للقومية الأميركية. فالمعروف أن قومية الأميركيين لم تظهر على نصاب ما أَلِفَته أوروبا حين أطلقت إمبرياليتها الحديثة، ذلك أن قومية أميركا هي من طراز تركّب على الجمع بين عمومية المفهوم وخصوصية المكان.
وتوضيح ذلك، أن القومية الأميركية هي قومية مفارقة للمفهوم الكلاسيكي كما عرفناه في أوروبا القرن السابع عشر، وهي متّحدة معه في الوقت عينه. في الجانب المعرفي تعني الهوية القومية الأميركية الولاء للفكرة، وهذه الفكرة تعني أن أميركا بوصفها رسالة حضارية، هي أيضاً، وفي الوقت عينه، جغرافيا ذات بعد ميتافيزيقي. وعلى هذا النحو غدا الولاء للفكرة عاملاً منتجاً لكتلة تاريخية دينية، باعتبارها الصنف البشري الخاص المؤهل لحمل هذه الرسالة، وهي ـ بحسب التنظير العقائدي الأميركي ـ طائفة الانكلوساكسون البيض البروتستانت.
مع هذه الأطروحات التي يتشكل على خطوطها تاريخ التكيّف الأميركي، يعود السؤال ليطرح اليوم، عما إذا كانت أميركا قادرة على النجاة مما هي فيه. إن هذا السؤال هو اليوم أشبه بحجر الرحى الذي يؤرّق النخب الأميركية والعالمية على اختلافها. مع كل ذلك، ليس من الجائز الكلام عن قول فصل في محتملات النجاة أو السقوط فاللحظة الأميركية الجارية استثنائية بكل المعايير، والمشتغلون في وضع التقديرات الاستراتيجية يتباينون في تحديد ورسم الاتجاهات المنظورة، سواء ما يتعلق منها بالإعصار المالي الذي يجتاح الولايات المتحدة اليوم، أو ما يتصل بالمأزق الجيوستراتيجي لانتشار جيوشها في ما وراء البحار.
لكن رغم كل التباين في التصوّرات، يبقى ثمّة جامع مشترك هو أن الأحادية الأميركية التي اهتزت بقوة، قد بلغ عمرها الممتد على مدى نحو عشرين عاماً درجة الاكتمال، وأن العقل الأميركي هو الآن في طور المراجعة الكبرى، بين اختيارين تاريخيين: بين أن تعود أميركا إلى قلعتها الصمّاء لتشارك العالم إصلاح نفسه قبل فوات الأوان أو أن تستأنف رحلة الغلبة ولو من خلال حروب مفتوحة على الأبدية..
بالطبع سيكون للأخذ بأحد هذين الاختيارين مضار شتى. ونسبة ضرر كل منهما يأتي بحسب شروطه وأحكامه الخاصة.
قد يكون ثمّة سبيل استراتيجي ثالث هو الآن قيد التأمل، وهو الذي يمكث في المنطقة الوسطى بين الاختيارين المذكورين, ويغتذي منهما بهذا القدر أو ذاك. إنه خط الاحتواء المركّب، الذي يوازن بين استراتيجيتين؛ الانسحاب أو الانتشار.
وفي موازاة ذلك أن تعمل إدارة أوباما على الأخذ بخلاصات نظرية الاحتواء التقليدي، التي سبق ووضعها جورج كينان صيف العام 1947 ضد الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، أي التعاطي مع الخصوم الدوليين بمستوياتهم المختلفة، على قاعدة الالتحام بهم والضغط عليهم في الزمان والمكان، وعدم تركهم يرتاحون لاستعادة قواهم.. إلى أن يسقطوا صرعى الاستنزاف الهادئ لتقنيات "الإمبريالية الناعمة".