على مدى عامين، استحوذت الأزمة المالية التي نجمت عن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية، على كافة أركان الدنيا، من أدناها إلى أقصاها، بسبب الانتشار السريع لما خلفته من آثار هزت في ساعات ميزانيات دول، وألحقت أضراراً بالغة باقتصادات حكومات في القارات الخمس، كما أدخلت ودائع البنوك في غرف الإنعاش.. وهنالك آلاف من حملة الأسهم سقطوا صرعى نوبات قلبية، سببها الإفلاس المفاجئ الذي لم يكن في الحسبان. وعلى صعيد آخر، ما زال بعض الدول كاليونان والبرتغال، في انتظار المانحين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه..
المعروف أن الأزمة تجاوزت أزمة وكساد عام 1929، وانعكست آثارها مباشرة على الأسر الأميركية، التي بلغت خسائرها 11 تريليون دولار، عندما اضطروا لسحب ما يزيد على 2.3 تريليون دولار كقروض عقارية.. ولا نقول الأسر الأميركية وحدها، ولكننا في هذه المقالة نشير إلى الكيفية التي استطاع بها بعض الأسر الأميركية تحديداً، امتصاص صدمة أزمة الرهن العقاري.
في أحد أعدادها الأخيرة، طالعتنا مجلة "ريدرز دايجست" بأن هنالك دوماً من يستفيد من الابتلاءات والمحن والكوارث التي يمر بها، فيجعل من دروسها عبراً يستفاد منها.. والشاهد أن الشعب الأميركي امتص الصدمة، مستفيداً من تجاربه في التعاطي مع الكوارث، إذ سرعان ما بادرت الأسر الأميركية للتصدي لتداعيات الأزمة، عبر التحول من النمط الاستهلاكي إلى الإنتاجي، بما يفيد أننا تخطينا أسوأ المراحل وتركناها وراء ظهورنا.. كما ذكرت إحدى ربات البيوت. وتقول اندريه كليرك: لقد غيرنا بسهولة أسلوب معيشتنا.
وخفضنا إنفاقنا وطرائق تفكيرنا.. لقد أصبحنا أكثر ترابطاً، الأزمة أعادت الدفء إلى حياتنا.. لعلاقتنا الأسرية.. بعد انتقالنا للعيش في ولاية نيفادا للإقامة جميعاً في منزل الأسرة الذي اتسع لنا ولابني وزوجته وأبنائه فأصبحنا سبعة.. إذ أصبحنا نمضي وقتاً أطول مع زوجي. أما سدني دبليو (36 سنة) فقالت: تم نقلنا إلى فرع الشركة بسبب الأزمة، وانتقلنا إلى ولاية ويسكنسن مع طفلينا.. وكان علينا أن نتعود العيش براتب واحد وبعيداً عن حياة المدينة، كما كان علي أن أتكيف مع المتغيرات..
فأصبحت أهتم بزراعة الخضروات والزهور والفواكه كالفراولة.. فأصبح لنا مورد دخل إضافي.. وقللنا من تناول الطعام خارج المنزل، فزوجي صار يتولى إعداد وجبتي الإفطار والعشاء.. باختصار صرنا أسرة أكثر تماسكاً.. أنا أشعر بالزهو إذ بدأنا نؤمن بمبدأ الشراكة في الأسرة.. والانشغال معاً بنظافة وزراعة حديقة منزلنا.
وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث حول آثار الأزمة، ذكر أن الأميركيين تنازلوا عن اقتناء الكماليات بنسبة 67%.. كما قل اهتمامهم بتغيير أثاث المنزل والهواتف المحمولة وغيرها من العادات.أما جون جيرزيما مؤلف كتاب "الآثار الاجتماعية للأزمة"، فيقول:
لم يعد أحد يهتم كثيراً بالتسرع عند الشراء.. الأزمة علمت الناس من جديد التروي قبل شراء أي شيء، بل إن كثيرين أخذوا يقومون بأعمال هم قادرون على عملها، لكنهم لم يتعودوا القيام بها. واللافت للنظر أن الأزمة عززت العلاقات الاجتماعية، وساعدت على لم شمل الأسر، التي كان أعضاؤها قد تفرقوا وتشتتوا بعيداً عن بعض.
. أما روبرت برناند رايش وزير العمل الأسبق، فأشار في كتابه "ما بعد الصدمة"، إلى أن المجتمع الأميركي كان استهلاكياً قبل أزمة 2008.. الناس يشترون ويكدسون متأثرين بالدعاية والإعلانات التجارية، وهي جزء من ثقافتنا. وبسبب الأزمة تغير كل شيء اعتدنا عليه، حيث تنازلت أكثرية الناس عن تناول الوجبات خارج المنزل، كما تراجعت الخلافات الزوجية، وزاد الدفء العاطفي والاهتمام بمراجعة دروس الأبناء، بحكم تواجد الآباء أوقاتاً أكثر في المنزل.
والكتاب يحفل بكثير من آراء 30.000 مواطن أميركي تم استجوابهم للإجابة عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت المجتمع الأميركي في مقتل، كما أصابت جميع المجتمعات، شأنها شأن انفلونزا الخنازير في سرعة انتشارها، إذ وصلت بسرعة الرياح إلى غابات نهر الأمازون ومرتفعات كلمنغارو.. كما مست القوات المتحاربة في أفغانستان والصومال وأطراف بغداد وقبائل الطوارق في الصحراء الغربية.. ولم تسلم منها الودائع والحسابات المصرفية في كل البنوك على مستوى العالم.
ودروس التجارب التي تناولنا بعضاً منها جديرة بالاهتمام.. ونهديها بكل تجلياتها إلى المستغرقين في سباتهم العميق، متوهمين أن ما يحدث، إنما يحدث لغيرنا... لا، ولن يحدث لنا، لأن الغافل هو الذي لا يستفيد من تجارب غيره ويعتقد واهماً أنه محصن ضد المخاطر.