جاءت بشائر انتصار ثوار ليبيا والسقوط المحتوم لحكم القذافي، بينما كانت ثورة مصر تواجه على حدودها الشرقية عدواناً إسرائيلياً خطيراً أثار ردود فعل شعبية هائلة وفتح ملف العلاقات الإسرائيلية المصرية بصورة لم تحدث منذ كامب ديفيد.

وأكد ما أثرناه مرات عديدة ــ آخرها في الأسبوع الماضي ــ من ضرورة إعادة النظر في المعاهدة المصرية ــ الإسرائيلية، وتعديل أحكامها بما يضمن قدرة مصر على فرض سيادتها على سيناء ويلغي القيود المجحفة على الوجود المصري العسكري في كل المنطقة المتاخمة للحدود.

العدوان الإسرائيلي الوقح كان مثيراً للغضب وللقلق أيضاً، فقد سبقته تحذيرات إسرائيلية تحذر من فراغ أمني في سيناء، وكأنها تعطي إشارة التحرك للجماعات المتطرفة التي أعلنت الجهاد ليس ضد إسرائيل بل ضد الدولة المصرية، فهاجمت المؤسسات الرسمية في العريش وأنزلت أعلام مصر لترفع اعلامها السوداء معلنة عن مشروعها لإنشاء (إمارة إسلامية!!) في سيناء.

والأخطــر هــنا أن العدوان الذي سقط فيه شهداء مصريون برصاص الإسرائيليين صاحبته تغطية سياسية خطيرة من أميركا التي بادرت وزير خارجيتها بالتشديد على مسئولية مصر عــن الأمن في سيناء، ثم بتغطية أخرى من اللجنة الرباعية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة وتضم أوربا وروسيا والأمم المتحدة.

والتي تجاهلت العدوان على مصر ومسئولة إســرائيل عنــه، لتدعــو مصر للوصول لحل دائم لتأمين سيناء، وكأنها تفتح الباب الخطير لتفعيل مقترحات قديمة ومرفوضة للتدخل الخارجي في منطقة تعرف مصر جيداً مخططات إسرائيل، سواء لإعادة احتلالها، أو لاقتطاع جزء منها ليدخل في تصورها لتصفية القضية الفلسطينية.

الغضب الشعبي العارم وحصار سفارة العدو الصهيوني في القاهرة والمشهد الرمزي لإنزال العلم الإسرائيلي وحرقه، كان رسالة واضحة لتدرك إسرائيل أن الوضع تغير بعد ثورة يناير، لكن على الجانب الآخر كان هناك اتجاه رسمي واضح للتجاوب مع جهود التهدئة التي قامت بها أطراف دولية عديدة، وبدا ذلك في التراجع عن قرار سحب السفير المصري وعدم اللجوء للمنظمات الدولية.

وربما كان وراء ذلك تعهدات أميركية وإسرائيلية بمراجعة «اتفاقية السلام وخاصة فيما يتعلق بالقيود على الوجود العسكري المصري في معظم سيناء، لكن المؤكد ان القيادة العسكرية المصرية التي تتولى السلطة الآن تدرك جيداً ان هناك مخططات لاستنزاف الثورة المصرية وإغراقها بالمشاكل الداخلية والتهديدات الخارجية، كما أنها تتحسب من فخ لجرها لمعركة غير محسوبة تكون نتيجتها كارثية، وتنتهز فيها إسرائيل الفرصة لتنفيذ مخططاتها في سيناء وإغراق مصر (و المنطقة) في الفوضى.

على جانب آخر ومن الحدود الغربية لمصر كانت تأتي بشائر انتصار الثورة الليبية وسقوط حكم القذافي، وكان الأمل بانتهاء محنة الشعب العربي الليبي التي ألقت بظلالها على الوضع في مصر منذ الايام الأولى بعد الثورة. فلم يمض أسبوع على نجاح ثورة مصر حتى اندلعت الثورة في ليبيا.

ورغم القيود على حركة مصر والتي فرضها وجود أكثر من مليون مصري تحت رحمة الأحداث هناك، فإن سيطرة الثوار على الجزء الشرقي من ليبيا منذ الأيام الاولى لتحركهم أعطى الفرصة للتواصل بينهم وبين القاهرة عبر حدود مفتوحة للإمدادات، واستيعاب لأكثر من نصف مليون ليبي في المدن المصرية القريبة من الحدود وحتى الإسكندرية.

ومــا يهــم الآن استــقرار الأوضــاع بسرعــة فــي ليبيا، ومــا هــو مطلوب الآن تواجد عــربي مكــثف يساعــد في عبــور الفترة الصعبة، ويدعم الأشقاء في ليبيا في تعاملهم مع التحديات الهائلة التي يواجهونها، سواء في إعادة بناء بلادهم، أو في مداواة جراح الثورة، أو في الحفاظ على وحدة التراب الليبي.

أو في مواجهة المخاطر التي لن تقتصر آثارها عليهم فقط، فهناك خطر الجماعات الاسلامية المتطرفة التي لم ينس رئيس المجلس الوطني مصطفى عبد الجليل أن ينبــه له ويحذر منه في لحظة اقتحام الثوار لطرابلس، بعد ما قاساه منهم في بني غازي، وهناك خطر النفوذ الاجنبي والمخاوف التي يثيرها بين أطرافه على صفقات بترولية ومالية، والفواتير التي ستطلبها أوربا وأميركا بعد المساعدة التي قدمتها لإسقاط النظام السابق، وأيضاً الذكريات التي تطارد الليبيين عن أيام كانت فيها القواعد العسكرية الأجنبية تتوزع على أرضها.

المتشائمون يتحدثون عن تكرار تجربة العراق، لكن الوضع هنا مختلف، فالانقسامات الدينية والمذهبية والعرقية غير موجودة، ووجود الثورتين (المصرية والتونسية) على الحدود يوفر الأمان والدعم، والعرب قد تعلموا الدرس وأخذوا العبرة من تجربة العراق (أو هكذا نرجو) ووقوفهم بحسم وسرعة مع الأشقاء الليبيين وهم ينتصرون للثورة ويقيمون دولتهم الديمقراطية سيكون عاملاً ضرورياً في الحفاظ على وحدة ليبيا واستقرارها ودرء المخاطر التي تهددها.

نعم المخاطر هائلة، والتحديات كبيرة، ولكن الربيع العربي ينتصر ونظم الاستبداد تتساقط، وكل محاولات الاستنزاف والحصار تفشل، والبقية في الطريق الذي يحتاج لكل الجهود حتى يظل الربيع مزهراً ومنتصراً وعربياً!!