ظهر مفهوم المواطنة واتسع تداوله بعد قيام الثورة الفرنسية عام (1789)، وسمع الناس بدهشة لأول مرة نداءات (أيها المواطنون) التي كان يطلقها الثوار، ثم ترافق هذا المفهوم (وذاك الشعار) بأن أخذ مضموناً جديداً لم يكن من قبل.
وهو أن جميع الناس، من فقراء وأغنياء، مدنيين أو ريفيين، ومن مختلف الأديان والطوائف والأثنيات والثقافات متساوون مساواة مطلقة، في الحقوق والواجبات، ولكل منهم الحق بالمشاركة في إدارة شؤون البلاد كما للآخر، وكانت هذه الشعارات ومضامينها أمراً استثنائياً في ذلك الوقت، إذ كان الناس يشكلون أصنافاً وطبقات وفئات وشرائح اجتماعية واقتصادية، لا صلة لكل منها بالأخرى.
ولكل وحدة مجموعة من المفاهيم والقيم ونمط العيش والطقوس، كما لها حدود اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وثقافية لا ينبغي لأي منها تجاوزها، ولا يحق لبعضها مثلاً أن تشارك في السلطة أو في الثروة، ولا في تقرير مصير البلاد، بل ولا حتى في تقرير مصير أفرادها الشخصي، فقد كان نظام الأقنان سائداً، ويحظر على القن أن يترك سيده، أو ينتقل من بلد إلى آخر، أو يغير صنفه أو انتماءه الطبقي.
وكان شعار الثورة الفرنسية الرئيس على النطاق السياسي والاجتماعي والاقتصادي (دعه يعمل، دعه يمر) فتحاً في بنية المجتمع والدولة في ذلك الوقت، وسبباً من جملة أسباب أخرى أدت إلى انهيار (الدوقيات) والاقطاعات التي كانت سائدة، وأعادت اللحمة للنسيج الاجتماعي الفرنسي، وكان هذا الشعار يثير حماس الفرنسيين (والأوروبيين فيما بعد) عندما يسمعونه، ويشكل في نفوسهم نزعة ثورية.
لقد أدى هذا الشعار، والحرص على تطبيقه تطبيقاُ كلياً (ومطلقاً) إلى خلق مجتمع جديد ومواطن جديد، مجتمع المواطنين المتساوين، الرافض لأية مرجعية غير مرجعية المواطنة، المتجاوز مفاهيم الطائفية والإثنية والإقليمية والفوارق الدينية والثقافية التي كان معمولاً بها بشدة وقوة وإحكام، ورغم ما لاقاه تطبيق هذا الشعار من رفض من قبل بعض الفئات والطبقات.
ومن استنكار وعنت قادا إلى فتن وحروب أهلية، وتناقضات ومذابح بين صفوف الثوار أنفسهم، فإنه انتصر في نهاية المطاف، وفرض المواطنة كمرجعية واحدة وحيدة لكل المواطنين، ونحى جانباً المرجعيات الأخرى، واعتبرها مرجعيات ثانوية من جهة وشخصية من جهة ثانية، لأن كلاً منها تخص فئة من المجتمع، ولا تطاول أبناء المجتمع جميعهم، باعتبارها وسيلة غير شاملة ولا جامعة.
تحول شعار المواطنة ومرجعية المواطنة إلى مفهوم أساس من مفاهيم الدولة الحديثة منذ ذلك الوقت، وأهم هذه المفاهيم مرجعية المواطنة، الحرية، المساواة، العدالة، تكافؤ الفرص، التعددية، تداول السلطة، فصل السلطات (وكانت هذه المفاهيم من المبادئ الأساسية للثورة الفرنسية).
ومن الملاحظ أن جميع هذه المفاهيم تبقى غير صالحة إذا لم يتم العمل أولاً بمفهوم المواطنة وإذا لم يُفعّل هذا المفهوم ويُعتمد، إذ بدونه يتعذر تطبيق أي من المفاهيم الأخرى، أو تطبيقها جميعها، ولذلك ومع تطور الدولة الحديثة، انتشر هذا المفهوم واتسع وطبق في جميع أنحاء العالم، وشكل مناخاً مناسباً لقيام الدولة، دولة الحق والعدل والقانون
والمساواة والشراكة بين جميع الناس، بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم وثقافاتهم وأقاليمهم وإثنياتهم، وكان أساساً أيضاً، وعاملاً حيوياً، في قيام الدولة القومية (الدولة ـ الأمة) التي اعتمدت مرجعية المواطنة واستغنت عن جميع المرجعيات الأخرى، واستطاعت بذلك أن تؤسس الدولة الديمقراطية، الراسخة والمستقرة، التي يؤمن كل مواطن أنها دولته، وأنه شريك كامل الشراكة فيها، والأهم أنها الأساس الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بناء الدولة الحديثة.
لم يكن الأمر كذلك في البلدان النامية، وخاصة في بلدان آسيا (بلدان الاستبداد الآسيوي الشرقي)، حيث لم تعتمد الدولة في هذه البلدان مفهوم المواطنة كأولوية أولى من مفاهيم الدولة وأسسها، مع أنها أخذت تستخدمه في أدبياتها وأدبيات حكامها ونخبها الثقافية والسياسية.
وفي تنظيماتها الحزبية والمجتمعية استخداماً لفظياً واسعاً، دون أن تعطيه مضمونه الحقيقي، بل دون أن تعطيه أي مضمون، واستمرت مجتمعات هذه البلدان (ودولها) تحافظ على مرجعياتها القديمة، وتتشبث بها، مستجيبة لخداع وتضليل أصحاب المصالح (الطبقية والطائفية والإثنية وغيرها) الداعية إلى استمرار هذه المرجعيات واعتمادها وأحياناً (تقديسها).
ورغم صراخها (الكاذب) حول أهمية المواطنة، ومزاعمها بأنها ترفض المرجعيات الثانوية، وتنادي بالعزوف عنها، بقيت المواطنة المرجعية الوحيدة المعطلة فيها، ولذلك استمرت مجتمعاتها قابلة للتمزق والشرذمة والتقسيم والصراعات الداخلية والحروب الأهلية، مجتمعات ضعيفة هشة مريضة لم تمسها الحداثة ولا المعاصرة، ولم تعرف بعد أهمية النهضة والتحديث.
لم تكن معظم البلدان العربية بعيدة عن هذا الخيار، فنادراً ما نجت مجتمعاتها من تغلغل المرجعيات الثانوية، أو من الشرذمة الناجمة عن اعتماد هذه المرجعيات، كما كان نادراً أن يتم الاعتماد على مفهوم المواطنة كمرجعية أساسية ووحيدة، ولذلك، نلاحظ الآن أن كثيراً من المجتمعات العربية، عليلة بسبب تعدد مرجعياتها، معرضة للتناحر والتنابذ وربما للاقتتال.
وما تزال بعض فئاتها وقواها حريصة على الظروف والشروط التي أتاحت للمنتمين لبعض المرجعيات الاستئثار بتحديد مسار المجتمعات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى الثقافية ومصائر هذه المجتمعات. وبطبيعة الحال فإنها في رسم ملامح الواقع والمستقبل، إنما تراعي مصالح مرجعياتها المتخلفة، مهما كانت على خطأ وخارجة عن مصالح المجتمع التعددي، وتحاول أن تجعل من الدولة وأهدافها وبرامجها مطايا لمصالحها، وتهمل عن عمد مرجعية المواطنة، وهي المرجعية الشاملة والجامعة والكلية.