حين قرأت تفاصيل ما قاله وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان مؤخرا، في حوار علني جرت وقائعه في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية، تذكرت على الفور الدراسات والمقالات العديدة التي نشرت في الآونة الأخيرة، وتتنبأ بأفول الإمبراطورية الأمريكية خلال عقود قليلة قادمة. فاللقاء الذي تحدث فيه الوزيران، انعقد في أوج معركة الدين العام وعجز الموازنة التي شلت الحياة السياسية في أمريكا لأسابيع طويلة. ولعل أهم ما جرى في ذلك اللقاء، هو أن الوزيرين دافعا دفاعا مستميتا عن ميزانية وزارتيهما، وحذرا من أن أي خفض لها معناه تعريض الولايات المتحدة للخطر.

فوزير الدفاع الأمريكي، ليون بانيتا، قال إن تلك الميزانية هي "الأمن القومي" الأمريكي. وحتى يكتمل ذلك التعريف الفريد للغاية للأمن القومي، أضاف الوزير أن "أمننا القومي هو قوتنا العسكرية، وهو وزارة الدفاع، وهو أيضا قوتنا الدبلوماسية، وهو وزارة الخارجية، وكلانا (يقصد الوزارتين) مهمومان بأنه ينبغي - ونحن مقدمون على هذا الاختبار (يقصد خفض الموازنة العامة الفيدرالية) - أن يعي الشعب أهمية الحفاظ على أمننا القومي، وضرورة أن نظل أقوياء. نحن ندرك أننا إزاء موارد محدودة وعلينا أن نتعامل مع ذلك التحدي، لكنني لا أعتقد أن علينا الاختيار بين الأمن القومي والإدارة المسؤولة للميزانية" الفيدرالية.

وكما ترى، عزيزي القارئ، فتلك هي المرة الأولى التي نسمع فيها تعريفا للأمن القومي باعتباره مرادفا للقوة العسكرية، ناهيك عن أن يكون مرادفا لوزارة الدفاع أو الخارجية! ثم إن الأمن القومي، الذي هو عند وزير الدفاع الأمريكي مرادف للقوة العسكرية، يقوم على القوة العسكرية كمطلق، فلا توجد كلمة واحدة عن التهديدات التي تحتاج أمريكا للقوة العسكرية لمواجهتها.

وقد حذت وزيرة الخارجية حذو زميلها في الدفاع عن ميزانية "الأمن القومي"، التي اعتبرت أنها تشمل الدفاع والخارجية معا. لكن ليون بانيتا في معرض دفاعه عن ميزانية البنتاغون والخارجية، طالب الكونغرس بأن لا يركز كل تخفيضاته على الاعتمادات السنوية فقط (والتي تشمل ميزانية الوزارتين)، وطالبه بالنظر أيضا "للإنفاق الإلزامي".

بعبارة أخرى؛ فإن وزير الدفاع لم يدع فقط المؤسسة التشريعية إلى تجنب خفض الميزانية العسكرية، وإنما طالبها أيضا باستهداف البرامج الاجتماعية بذلك الخفض، مثل برنامج الضمان الاجتماعي وبرنامجي الرعاية الطبية والمساعدة الطبية، فضلا عن برامج العناية بالفقراء، مثل إعانة البطالة. فتلك هي البرامج التي لا تحتاج لاعتمادات سنوية، لأن الحكومة الفيدرالية "ملزمة" بحكم القانون، أن تنفق عليها باستمرار ودون انقطاع.

والحقيقة أنه من الطبيعي أن يذكرني هذا الخطاب بأطروحة أفول الإمبراطورية الأمريكية، إذ يبدو أن إدارة أوباما تسير بخطى واثقة تدفع أمريكا دفعا نحو الإسراع بالوصول لذلك الأفول، لا فارق في ذلك بينها وبين ما سبقها من إدارات.

فرغم التزايد المطرد في الميزانية العسكرية، والذي تسارع منذ عهد كارتر وريغان، ثم وصل لمستويات غير مسبوقة في عهد بوش الابن، فإن سير إدارة أوباما على النهج نفسه، هو أحد العوامل الرئيسية التي تدفع التراجع الأمريكي بخطى أسرع. فالزيادة المذهلة في الميزانية العسكرية، ترتبط ارتباطا وثيقا بالحروب اللانهائية التي تخوضها أمريكا، حتى أنك أحيانا ما تحتار أيهما الوسيلة وأيهما الهدف، هل الحروب تؤدي لزيادة الميزانية العسكرية الأمريكية، أم أن زيادة الميزانية العسكرية هدف في ذاتها يتم فيما بعد اختراع الحروب لضمان زيادتها المستمرة؟

 فتلك الزيادة يستفيد منها "المركب العسكرى الصناعي" الذي حذر منه أيزنهاور في خمسينات القرن الماضي، أي الصناعات العسكرية والبنتاغون، فضلا عن أعضاء الكونغرس الذين يرحبون بالمزيد من الصناعات والقواعد العسكرية في دوائرهم لإنعاشها اقتصاديا. والحروب اللانهائية لا تخرج أمريكا من أغلبيتها الساحقة منتصرة، وإنما تخرج مكبلة بنفقات هائلة.

وما يكرسه أوباما هو ثالوث بوش غير المقدس، أي الإمعان في زيادة الميزانية العسكرية مع الإحجام عن خفض الضرائب، خصوصا على الشركات الكبرى والأثرياء، وكل هذا بالتزامن مع خفض الإنفاق الحكومي في الداخل، في إطار سياسات تقشفية لسد عجز الموازنة. وهذا الثالوث هو المسؤول عن النزيف الاقتصادي الهائل، الناتج عن الحروب اللانهائية، وانهيار العديد من القطاعات في الداخل الأمريكي نفسه، بما في ذلك التعليم والبحث العلمي، والاعتماد بشكل كامل على القطاع الخاص لحل مشكلة البطالة، وانسحاب الحكومة من دعم الفئات الأكثر عرضة للعوز.

وفي الوقت الذي تشير فيه كل استطلاعات الرأي العام إلى أن البطالة هي الهم الأول لأغلبية الأمريكيين، فإن إدارة أوباما غرقت حتى أذنيها في خطة اليمين الأمريكي بجعل الميزانية هي الأولوية الأولى.

والحقيقة أن هذا الانفصال بين ما يريده الأمريكيون وما تفعله النخبة الحاكمة في واشنطن، هو نتاج للعلاقة الوثيقة بين المال والسياسة في أمريكا. فالسياسيون المنتخبون لكافة المناصب، بل والأحزاب، صاروا أسرى لأصحاب المصالح الخاصة والشركات العملاقة وأصحاب الأموال، لأنهم يعتمدون عليهم كليا للحصول على التمويل اللازم للحملات الانتخابية. والإعلام الأمريكي الذي تموله هو الآخر تلك الأموال العملاقة، لم يعد يمثل رقابة تذكر على السياسيين وفق ما يريده الرأي العام الأمريكي، إذ صار في أحيان كثيرة يناقش الموضوعات من داخل الصندوق الذي تخلقه النخبة السياسية، لا من خارجه.

والخطورة في ذلك الثالوث من السياسات، هي أنه يدفع بالاقتصاد الأمريكي أكثر نحو الهاوية، ويؤدي لانحسار التفوق الأمريكي العلمي والتكنولوجي، الأمر الذي يستحيل معه أن تظل الإمبراطورية الأمريكية على ما كانت عليه حتى بداية الألفية. فالأفول الأمريكي قد بدأ بالفعل، بسبب هذا الثالوث منذ سنوات عدة.