أخيراً، وبعد انتظار طويل وترقب وحبس أنفاس طال المواطنين، كما القوى السياسية على اختلاف مشاربها، صدر القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية المولجة التحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و21 من رفاقه، دون أن يحمل مفاجأة ذات وزن سياسي أو إعلامي، مشتبها بأربعة عناصر قيادية من "حزب الله" طالبا مثولهم أمام القضاء الدولي.
ردود الفعل بدورها، كانت متوقعة وخاضعة للاصطفاف السياسي بين 8 آذار و14 آذار.
في معسكر 14 آذار، جاء الترحيب شاملا، بدءاً من نجل الشهيد الرئيس سعد الحريري، الذي اعتبر القرار "حدثا كبيراً"، إلى الرئيس فؤاد السنيوره الذي أشاد بـ"قوة وجدية ومهنية" لجنة التحقيق، معتبراً أن تجاهل حزب الله للمحكمة والتهرب من الدفاع أمامها من جانب المتهمين "يثبت التهمة على المتهمين"، واصفا المعلومات والمعطيات بأنها "دلائل قوية ومتينة تدعم اتهام الأشخاص الأربعة"، وصولا إلى اعتبار قائد القوات اللبنانية سمير جعجع يوم صدور القرار الاتهامي باليوم "التاريخي"، لأن العين قاومت المخرز، وهو ما شاركت في وصفه قوى 14 آذار في بيان لأمانتها العامة معتبرة أننا أمام "حدث استثنائي كبير".
أما في معسكر 8 آذار وقائده "حزب الله"، فقد عم الرفض القاطع للقرار الاتهامي، بدءاً بالتعليق الأولي والفوري للسيد حسن نصر الله بعد ساعات من صدور القرار، مروراً بتعليقات الوزراء المسؤولين الرئيسيين، وانتهاء بالمناخ الإعلامي الذي أشاعته المنابر الإعلامية لحزب الله. وقد توقف الحزب في إعلامه أمام 3 نقاط رئيسية:
1. أن معظم ما ورد في التحقيق ورد سابقا في تسريبات عديدة حفلت بها صحف "ليبراسيون" "ودير شبيغل" ومحطة CBC الكندية، فضلا عن الصحف الإسرائيلية، وكل ذلك أثبت أن التحقيق كان مخترقا من جهات غريبة وإسرائيلية، وأن الاتهامات كانت معدة سابقا من أجل محاصرة "حزب الله" وتشويه صورته والدفع نحو فتنة شيعية سنية.
2. أن معظم المعلومات الواردة في القرار الظني، سبق لمديرية المخابرات في الجيش اللبناني ثم لفرع المعلومات في جهاز قوى الأمن الداخلي، أن حصل عليها، مما يظهر أن التحقيق الدولي يكرر بدرجة كبيرة الاستنتاجات الأولية للقضاء اللبناني حول استخدام الهواتف النقالة.
3. أن التقرير يتبنى التوصيف الأميركي والإسرائيلي لحزب الله باعتباره حزبا "تورط في عمليات إرهابية سابقا"، وهو توصيف لا إجماع دوليا عليه ولا موافقة عربية أو لبنانية، انطلاقا من الخلاف مع واشنطن حول تحديد ماهية "العمل الإرهابي" وتوصيفه، حيث إنه في نظر العرب والمسلمين عمل مقاومة لا شبهة إرهابية فيه إطلاقا. لهذه الأسباب، ينتهي "حزب الله" إلى القول إن ثمة "تراجعا في مستوى المهنية" لدى المحكمة، مما يؤكد أنها مسيسة بداية ونهاية.
أما من جهة الموقف الرسمي، فقد تميز موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالحرص على تأكيد أن الحكومة اللبنانية التزمت احترام القرارات الدولية، وهي مستمرة في هذا الالتزام، داعيا الجميع إلى التعاطي بوعي وإحساس عميق بالمسؤولية الوطنية، مما أشاع مناخا من التهدئة والتبصر بعواقب أي موقف سياسي.
هذا لناحية موقف القوى والأطراف السياسية من القرار الظني، أما من جهة التداعيات والانعكاسات والاحتمالات المتوقعة، فقد توقفت الأوساط الإعلامية أمام الوقائع الآتية: لقد غلب الهدوء على مواقف جميع القوى، فلم يصدر أي موقف اتهامي أو استفزازي أو مثير للغرائز الطائفية، وهو ما عبر عنه لقاء مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني مع قيادات "حزب الله" بعد صدور القرار، حيث سادت لغة العقل والتواصل ورفض الفتنة ومد الجسور بين الطوائف. أما المتوقع بعد صدور القرار الظني، فهو توالي عدد من الخطوات، أبرزها:
1. انتظار الـ30 يوما التي منحت للدولة كي تستمر في البحث عن المتهمين، بعد إشادة رئيس المحكمة القاضي كاسيزي بالجهود المعقولة التي بذلتها الدولة في صدد البحث عن المطلوبين للعدالة.
2. بدء المحاكمة الغيابية للمتهمين وفق قوانين المحكمة.
3. إطلاق حركة 14 آذار مجموعة من التحركات الشعبية السلمية، من أجل دعم عمل المحكمة الدولية، يقابله استمرار "حزب الله" وحلفائه في اعتبار المحكمة مسيسة تتطلع إلى الاقتصاص من المقاومة ومحاصرتها.
لم يحدث، إذن، ما كان يخشاه اللبنانيون من اضطراب أمني أو احتقان سياسي أو مذهبي، فهل تستمر حالة الاسترخاء أم يخبئ القرر ما يخبئه؟