يقف الفلسطينيون ومعهم العرب أمام خطوة حرجة أخرى في تاريخ الصراع مع الكيان الإسرائيلي، إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة. ذلك ما يذكّر بإعلان هذه الدولة المستقلة في الجزائر العاصمة عام 1988، من قِبل الزعيم الفلسطيني الراحل أبو عمار. أعدت إسرائيل نفسها جيداً لمواجهة الموقف، بدعم لا يمكن تجاهله من القوى الدولية الرئيسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. في المقابل بقي الطرف الفلسطيني والعربي في حالة من التراجع والفوضى وتشتت القدرات والإمكانيات.

الطرف الفلسطيني في موقف لا يُحسد عليه داخلياً، بعد أن احتفظت إسرائيل بكل الأوراق الرابحة في الصراع. الوضع في القدس الشرقية المحتلة عام 1967 معقد بوجود المستعمرات القائمة، والخطط القائمة والمستجدة لتأجيج وتوطيد الاستيطان اليهودي فيها. تنتشر المستعمرات اليهودية في كافة أركان "الدولة الفلسطينية المأمولة"، بشكل يمزق وحدة وتكامل الديمغرافيا الفلسطينية.

حدود الدولة الفلسطينية المأمولة مفقودة. الجدار الأمني الإسرائيلي بما فيه من بوابات أمنية معدودة، يشكل الجزء الأكبر من حدود الدولة حسب الرؤية الإسرائيلية؛ بدوره يقسّم الدولة الفلسطينية بشكل تراجيدي. الحدود الشرقية للكيان الفلسطيني مع الأردن لا تقل شؤماً. تقتصر الحدود الأردنية - الفلسطينية على ممرين رئيسيين ضيقين لعبور الأفراد؛ هنالك سياج حدودي مع الأردن، جميعاً يديرهما الجيش الإسرائيلي بشكل كامل.

مقومات ديمومة الدولة الفلسطينية، تعتمد بشكل شبه مطلق على ما تسمح به إسرائيل، أمنياً وسياسياً واقتصادياً وحتى ثقافياً. الأمن الفلسطيني تم ربطه بالأمن الإسرائيلي؛ وضعٌ أملته وتمليه الظروف المالية والمعيشية والاقتصادية المتدهورة للفلسطينيين. السياسات الداخلية والخارجية الفلسطينية، تم تقييدها ما أمكن إسرائيل بالرؤية السياسية والثقافية الإسرائيلية. الاقتصاد الفلسطيني مسيطَر عليه، ويعتمد بشكل أساسي وحيوي على المساعدات الخارجية.

ترفض إسرائيل إنشاء كيان سياسي مستقل معترف به دولياً؛ ذلك ما تراه يشكل ضربة لها في أعماق الأساس. بالذات عليها أن تبدأ بإرجاع ما سلبته من الفلسطينيين من حقوق وطنية وسياسية وإنسانية، على مدى عهود وعقود. الذهاب إلى الأمم المتحدة ونيل اعتراف من هيئة الأمم، جمعية الضعفاء والمستضعفين والمهمّشين، يضع السلطة الفلسطينية في حالة مواجهة مع الكيان الإسرائيلي؛ مواجهة مفتوحة على احتمالات قد تكون جسيمة. المستوطنون في الضفة الغربية يعيثون في المنطقة إرهاباً منظماً، ومنذ عقود. تصعيد أعمال المستوطنين الإرهابية الوحشية، يزيد الضغط النفسي والمعنوي على المواطنين الصامدين. في غياب الحماية المناسبة للمواطنين الفلسطينيين، يصبح وجودهم في وطنهم مهدداً بشكل مأساوي. ليس في يد السلطة الفلسطينية من قوة أو أدوات لمواجهة إرهاب الاستيطان اليهودي.

في الواقع العربي الجديد، لا يوجد ما يدعو للتفاؤل، وتقريباً على الإطلاق. تسود البلاد العربية موجة من حركات التغيير الجذرية، مما يجعل القضية الفلسطينية تُمحى من سلّم الأولويات الملحة في المرحلة الراهنة؛ مرحلة قد تمتد طويلاً. لا يوجد هنالك من دعم معنوي أو سياسي أو مالي أو اقتصادي، من شأنه دعم المواطن الفلسطيني المحاصَر في قوت يومه.

أكثر الأوراق حسماً لم يزل في يد الإدارة الأميركية، لكن لدى الولايات المتحدة من المشاكل الداخلية المالية والاقتصادية وحتى المجتمعية، بالإضافة إلى التورط السياسي والعسكري الخارجي، ما يقلص دورها الفعلي الواقعي. الدول الأوروبية كذلك واقعة في أزمات مالية واقتصادية وسياسية، بسبب الانتكاسات المستمرة الواقعة عليها على مختلف الصعد.

بالرغم من سحابة التشاؤم الحالكة التي تخيم على ولادة الكيان السياسي الفلسطيني المستقل، إلا أنه يظل هنالك مكان لحدوث معجزة! لا غرابة في ذلك، فالمنطقة نفسها أرض معجزات تاريخية وروحية دينية. من يقدر أن يجزم باستحالة أمر كإعلان دولة من طرف واحد أو بإمكانية نجاحه؟!

ثمة إسرائيل نفسها تخضع لموجة التغيير في المنطقة، بسبب طبيعة التركيبة الخاصة بالمجتمع الإسرائيلي. التركيبة الإسرائيلية تحمل في داخلها الكثير من المفارقات والخصوصيات وحتى الآفات الكامنة. هذه إذا ما طفت على السطح وأخذت تتبلور بأشكال وأدوار، قد تجعل ظهور كيان سياسي وليد، ليس فقط في حكم الإمكانية، بل يقع قريباً من بؤرة التفضيل والترحيب.. وحتى التبجيل!