أيام قلائل وينقضي شهر رمضان، الذي كنا بالأمس القريب نترقب قدومه بلهفة المتشوق واشتياق الملهوف.. شوق يغلب شوق الظمآن في قيظ الصحراء ولهيبها، إلى رشفة ماء تحفظ له الحياة، ويفوق شوق من تلظى جسده بلهيب الشمس وقسوتها إلى شجرة يتفيأ ظلالها ولو لساعة من نهار..
شوق يزيد عن من عُميت عليه الدروب وتقطعت به السبل وتعلقت آماله بمن يمد له يد العون وينقذه من هلاك واقع لا محالة، حتى إذا ما أطل علينا شهر رمضان وهبت علينا نسائمه بنفحات الخير والبركة، خفف الكثير منا وطء الأرض وتعلق بالسماء وخالقها، وإذا بالأيام تمر مر البرق ونجد أنفسنا في العشر الأواخر من الشهر الكريم، كيف هذا! لا تسأل.. فهذا شأن كل غال يريد أن تظل محبته باقية في النفوس، ويظل قدومه منتظرا، وتظل زيارته موضع الشوق والترقب. هذا هو السر الذي أودعه الله في هذا الشهر، الذي فضله على بقية شهور السنة وكرمه بنزول القرآن الكريم فيه، حين قال "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".
وتأتي العشر الأواخر من الشهر فرصة لمن فاته شيء من بركات هذا الشهر، حتى يغتنم من الخير أعظمه ومن النعمة منتهاها، ولكي يحصل على القدر الأكبر من المنح والجوائز الربانية. وكان الرسول الكريم إذا ما دخل العشر الأواخر من رمضان، أيقظ أهله وشد المئزر واجتهد فيها كما لم يجتهد في غيرها، وقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، إلا أنه في العشر الأواخر يزيد في القيام وفي التهجد والدعاء، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ولما سئل عن ذلك قال "أفلا أكون عبدا شكورا"، ولكي يضرب لنا المثل والقدوة التي قال عنها الله عز وجل في كتابه الحكيم "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر". والقدوة الحسنة المتمثلة في أن الرسول الكريم كان يقوم الليل إلا قليلا، ويرفع يديه في الدعاء متضرعا إلى الله.
ففي الليل أنس المحبين وروضة المشتاقين، وإن لله عبادا يراعون الظل بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنّون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنّ عليهم الليل واختلط الظلام وبسطت الفرش وخلا كل حبيب لحبيبه، نصبوا لله أقدامهم وافترشوا له جباههم، وناجوا ربهم بقرآنه وطلبوا إحسانه وإنعامه، فإن أول ما يمنح الله عز وجل لهؤلاء، أن يقذف من نوره جل وعلا في قلوبهم.
تأتي العشر الأواخر من رمضان وتتعلق فيها القلوب ببارئها، علها تصيب فيها ليلة خيرا من ألف شهر، وهي ليلة القدر التي من حرمها فقد حرم، رافعين أكف الضراعة إلى الله أن يفك الكرب ويفرج الهم ويسد الدين ويكشف الغم، كل له حاجته وكل على قدر كلماته مهما كانت بساطتها، فالله سبحانه وتعالى يغضب حين يترك سؤاله، وبني آدم حين يُسأل يغضب.
والدعاء عندي هو حالة استغناء عن الناس بالله، أن تستشعر أنك تطلب من مدبر الكون كله. وحين تكون غنيا بالله، فمن أين يأتي العوز والحاجة؟ "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء". لذا عندما سأل الصحابة رسول الله "آلله بعيد فننادية أم قريب فنناجية"؟ نزل قوله تعالى "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ".
وفي يقيني أن الانكسار لله في الدعاء وتفويض الأمر إليه، هو أولى بشائر الإجابة، وهو القائل في محكم التنزيل "ادعوني أستجب لكم"، وأردف "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". لذلك قال رسول الله في الحديث "الدعاء مخ العبادة"، وفي آخر "الدعاء هو العبادة" مهما كانت الكلمات ومهما كان الموعد واللقاء، لذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إني لا أحمل هم الإجابة بل أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه".
فمن دعا يستجيب الله له حسب مشيئته وقتما وكيف يشاء، لذا فإن اليقين بإجابة الله من حسن الظن بالله الذي قال "أنا عند حسن ظن عبدي بي". وعندما قال أعرابي: يا رسول الله إني لا أجيد دندنتك ولا دندنة معاذ في الدعاء. فقال له: وماذا تريد؟ قال أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار. فقال له رسول الله "حولهما ندندن".
إن العشر الأواخر من رمضان بخصوصيتها عن بقية أيام الشهر، تتطلب منا أن نشمر عن سواعدنا لأن سلعة الله غالية، وليكن الصيام الذي قال عنه الصالحون صيام يوم في الحر الشديد يقيك من وقفة يوم البعث، هو المعين لنا والقائد والمرشد إلى باب الريان. كذلك التهجد حين يفرغ المؤمن من الدنيا وشواغلها، ليقف بين يدي مولاه مستمدا منه العون والعزم وطمأنينة الروح، ويفضي إليه بمكنون نفسه وهو الأعلم بها. لذا قال بعض الصالحين: ركعتان في جوف الليل تقيانك من وحشة القبر، وتكونان لك المؤنس من كل هلع وفزع.
وكذلك وقت السحر، حيث يتنزل الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل ينادي "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟". فسهام الليل لا تخطئ، ولكن لها أمدا، وللأمد انقضاء، لأن الله تعالى حيي كريم يستحي أن يمد الواحد منا يديه إليه، راجيا ذليلا منكسر النفس يرجو رحمته ويطمع في كرمه، ثم يردهما صفرا خائبتين. فليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء، فالأمر أمره والملك ملكه، وهو المدبر والقادر، لذا قال من سبقنا "دعاء السحر.. سهام القدر".