شيء ما في ما يجري من حولنا، يكشف لنا أن أحاديث المؤامرة وفكرها ليست أحاديث غنائية، ولكنها استراتيجيات دولية مرسومة بعناية في سياق السيطرة والهيمنة على العالم. وفي ظل تلك الضبابية التي تخيم على منطقتنا العربية والشرق أوسطية على نحو خاص، ربما يحتاج المرء إلى شاهد عدل من غير بني جنس العرب.
في هذا السياق يجد المرء نفسه مدفوعاً لإعادة قراءة أوراق روجيه غارودي "شاهد على القرن العشرين"، الذي تتحقق اليوم نبوءاته وقراءاته لتلك البلدان التي لم تعرف الاستقرار، ولا أحد يجزم بـ"متى ستدركه". فهل ما جرى ويجري مؤخراً هو أمر عشوائي أم مخطط مدروس؟
للجواب، ينبغي علينا التوقف مع ما خطه غارودي في كتابه المهم للغاية "محاكمة الصهيونية العالمية"، وفيه يشير إلى ما كتبته مجلة "كيفونيم" التي تصدرها "المنظمة الصهيونية العالمية" في القدس، وتشمل خطط إسرائيل الاستراتيجية في الثمانينات، والتي يبدو ـ ومن أسف شديد - أنها تجد اليوم تفعيلها على أرض الواقع، وذلك في العدد الصادر في 14 فبراير 1982.. ما الذي تقوله مجلة كيفونيم؟
"لقد غدت مصر باعتبارها كياناً مركزياً، مجرد جثة هامدة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار المواجهات التي تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين، وينبغي أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافياً، هو هدفنا السياسي على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينات... وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى مثل ليبيا والسودان.
وغيرهما من البلدان الأبعد، ومن ثم فإن تشكيل دولة قبطية في صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية أصغر وأقل أهمية، من شأنه أن يفتح الباب لتطور تاريخي لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وإن كانت معاهدة السلام قد أعاقته في الوقت الراهن".
"وبالرغم مما يبدو في الظاهر- حسب المخطط الجهنمي الإسرائيلي - فإن المشكلات في الجبهة الغربية أقل من مثيلتها في الجبهة الشرقية، وتعد تجزئة لبنان إلى خمس دويلات، بمثابة نموذج لما سيحدث في العالم العربي بأسره، وينبغي أن يكون تقسيم كل من العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني، أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل، على المدى البعيد.
والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هي تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين، فالبناء العرقي لسوريا يجعلها عرضة للتفكك، مما قد يؤدي إلى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، وأخرى في دمشق، بالإضافة إلى كيان درزي قد ينشأ في الجولان الخاضعة لنا، وقد يطمح هو الآخر إلى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على أي حال إلا إذا انضمت إليه منطقتا حوران وشمالي الأردن. ويمكن لمثل هذه الدولة على المدى البعيد أن تكون ضمانة للسلام والأمن في المنطقة، وتحقيق هذا الهدف في متناول يدنا".
أما العراق ذلك البلد الغني بموارده النفطية والذي تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع إسرائيل، ويعد تفكيكه أمراً مهماً، بالنسبة لإسرائيل، بل إنه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل.
على أن علامة الاستفهام التي يطرحها غارودي، هي: هل إسرائيل تقوم بذلك من تلقاء نفسها أم أنها رأس الرمح في المعادلة الإمبريالية الدولية؟
في الجزء الثالث من الكتاب المشار إليه آنفاً، والذي يحمل عنوان "السياسة الإسرائيلية وإشعال الحروب"، نقرأ عن الدور الإسرائيلي في حضارة الغرب، فقد اعتبر أيزنهاور الشرق الأوسط أهم موقع استراتيجي في العالم، وقد كان لإسرائيل في هذا الإطار ثلاث مميزات كبرى:
* موقعها الاستراتيجي في مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.
* موقعها الاقتصادي في قلب تلك المنطقة من العالم، التي تضم نصف بترول العالم شريان التنمية.
* أسطورتها اللاهوتية الخاصة بالشعب المختار، والتي استخدمتها كغطاء للأطماع الغربية في موقعها الاقتصادي، وتضع مطالبها مهما كانت فوق كل قانون وكل العقوبات، خاصة فوق كل قرار للمجتمع الدولي.
ويلفت الفيلسوف الفرنسي "رجاء غارودي" النظر إلى أن الأمن الأميركي هو المبرر لكل غزو يجري في أركان العالم حتى فيتنام أو كوريا، والمبرر لكل مسانداتها للنظم الديكتاتورية العسكرية في أميركا اللاتينية، كما كانت في فلبين ـ ماركوس، والمبرر لحماية الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً.
لماذا كان ذلك يجب أن يمضي على هذا النحو؟ يقول غارودي، في كلمات يتوجب علينا إعادة قراءة معناها ومبناها ومغزاها: "إنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان لا بد من إيجاد بديل يجسد دور الشرير، وإمبراطورية الشر التي تجب محاربتها في القارات الثلاث، فكان الإسلام حتى يكون التهديد العالمي للإرهاب مبرراً لاستمرارية وحتى للإسراع من سباق التسلح، وفرض التدخل الاقتصادي أو العسكري في كل أركان العالم".
هل كانت نبوءات غارودي حقيقية؟ أغلب الظن أن ذلك كذلك، وللأسف الشديد.