بإغلاق باب الترشيح لانتخابات المجلس الوطني الاتحادي، التي ستجرى في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر المقبل، تكون عجلة الانتخابات قد دارت بشكل فعلي، واتضحت معالم الوجوه التي سيتشكل من بينها نصف أعضاء المجلس الوطني المقبل، وهو النصف المنتخب الذي انحصر في 469 وجهاً هم إجمالي عدد الذين شملتهم القائمة الأولية التي اعتمدتها اللجنة الوطنية للانتخابات يوم السبت الماضي، بانتظار اعتماد القائمة النهائية في الثامن والعشرين من أغسطس، بعد النظر في طلبات الاعتراض، وانتهاء المهلة المحددة للانسحاب.

469 مرشحاً، عدد أقل بكثير مما توقعه الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات، الذي توقع في تصريح سابق أن يصل عدد المرشحين إلى نحو 1000 مرشح، بالنظر إلى إجمالي عدد أعضاء الهيئات الانتخابية الذي بلغ نحو 130 ألفا.

كما أن هذا العدد يقارب عدد الذين ترشحوا لانتخابات عام 2006 الذي كان 456 مرشحا، رغم الفارق الكبير في عدد أعضاء الهيئات الانتخابية الذي تضاعف عشرين مرة، بعد أن كان عددهم في الانتخابات الأولى 6595 عضوا فقط.

لماذا جاء العدد أقل من الأمنيات أو التوقعات؟ نعتقد أن هذا يعود لأسباب عدة؛ منها التأخر في الإعلان عن الهيئات الانتخابية، وقصر الفترة الزمنية التي حُدِّدت للترشح وكانت أربعة أيام فقط، إضافة إلى أن ذلك تزامن مع شهر رمضان المبارك، ثم يأتي قصر الفترة المخصصة للحملات الانتخابية، التي حصرتها اللجنة في الفترة من الرابع وحتى الحادي والعشرين من شهر سبتمبر.

الأمر الذي يراه بعضهم غير كافٍ في ظل العدد الكبير لأعضاء كل هيئة انتخابية، الذين يبلغ عددهم في إمارة أبوظبي 47 ألفا و444 عضوا، وفي إمارة دبي 37 ألفا و514 عضوا، ثم يتناقص في الإمارات الأخرى تبعا لعدد مواطني كل إمارة. كل هذه الأسباب وغيرها نتوقع أن تكون محل دراسة من قبل اللجنة الوطنية للانتخابات، التي تدير العملية الانتخابية وفقا للدستور الذي حدد شروط الترشح في مادته رقم (70)، التي تنص على أن يكون العضو من مواطني إحدى إمارات الاتحاد، مقيما بصفة دائمة في الإمارة التي يمثلها في المجلس.

وألا تقل سنه عند اختياره عن خمس وعشرين سنة ميلادية، وأن يكون متمتعا بالأهلية المدنية، محمود السيرة، حسن السمعة، لم يسبق الحكم عليه في جريمة مخلة بالشرف، ما لم يكن قد رُدَّ إليه اعتباره طبقا للقانون، وأن يكون لديه إلمام كافٍ بالقراءة والكتابة. شروط نراها مناسبة ومعقولة، وإن كان بعضها قد راعى الفترة التي كُتِب فيها الدستور، مثل شرط الإلمام بالقراءة والكتابة الذي نعتقد أن الزمن ومستوى التعليم في الدولة قد تجاوزه.

وإذا ما تمت دراسة هذه الأسباب، فإننا نتمنى على اللجنة أن تنظر في المادة (71) من الدستور التي نعتقد أنها سبب من أسباب إحجام الكفاءات الوطنية التي تعمل في القطاع الاتحادي، عن الترشح لانتخابات المجلس الوطني، إذ تنص هذه المادة على أنه "لا يجوز الجمع بين عضوية المجلس الوطني الاتحادي وأي وظيفة من الوظائف العامة في الاتحاد، بما في ذلك المناصب الوزارية".

ومع تفهمنا وتقديرنا للغرض الذي من أجله وضع المشرِّع هذه المادة، وهو توخي الحياد ورفع الحرج عن العضو عند مناقشة الموضوعات التي هي من اختصاص المجلس، وهي موضوعات اتحادية حددتها اللائحة الداخلية للمجلس في الباب الثالث، إلا أننا نرى أن لها جوانب سلبية يجب أخذها بعين الاعتبار، وإيجاد الحلول والمخارج القانونية التي تحقق الغرض الذي توخاه المشرع من وضعها، دون المساس بمصلحة الوطن ومصالح الأعضاء التي نضرب عليها مثلا من آخر تشكيل للمجلس.

في تشكيل المجلس الأخير خسرت المؤسسات الاتحادية عددا من الكفاءات الأمنية والإدارية والتربوية والأكاديمية، التي اضطرت لتقديم استقالاتها من وظائفها تنفيذا للمادة (71) من الدستور، وبلغ عدد هذه الكفاءات 18 عضوا، خمسة منهم كانوا يعملون في وزارة الداخلية، وخمسة في جامعة الإمارات، وخمسة في وزارة الصحة، واثنان في وزارة التربية والتعليم، وواحد في وزارة الخارجية.

وهي كفاءات اكتسبت من الخبرة ما أهّلها لنيل عضوية المجلس الوطني الاتحادي بالانتخاب أو التعيين، لذلك شكّل خروجها من وظائفها خسارة للمؤسسات الاتحادية التي كانت تعمل فيها، وخاصة في ظل الحاجة إلى الكفاءات الوطنية المؤهلة ذات الخبرة. وكما تعرضت المؤسسات الاتحادية لخسارة بعض عناصرها ذات الكفاءة، تعرض الأعضاء الذين تخلوا عن وظائفهم الاتحادية إلى خسائر مادية، فالذين كانوا يشغلون مناصب عليا منهم، كانوا يتقاضون مرتبات عالية، يبلغ بعضها ضعف ما يتقاضاه عضو المجلس الوطني الاتحادي.

بالإضافة إلى الامتيازات الأخرى، وقد ضحوا بهذه المرتبات والامتيازات بدخولهم المجلس الوطني. كانت هذه هي الضريبة الأولى التي دفعوها، أما الضريبة الثانية فكانت أن المرتبات التي كانوا يتقاضونها أثناء عضويتهم في المجلس، وهي تقل عن مرتبات رؤساء الأقسام في بعض الدوائر المحلية، هذه المرتبات تقلصت إلى النصف تماما بعد خروجهم من المجلس، فأصبحت أقل مما يتقاضاه خريج جديد في دائرة محلية في بعض إمارات الدولة.

لهذا نعتقد أن الخسارة العامة التي تتعرض لها المؤسسات الاتحادية، والخسارة الشخصية التي يتعرض لها موظفو هذه المؤسسات الذين ينالون عضوية المجلس الوطني الاتحادي، بكل ما لهذه العضوية من شرف ومكانة اجتماعية، تدعونا إلى إعادة النظر في المادة (71) من الدستور وإيجاد مخرج قانوني مناسب لها، لأنها تؤدي إلى إحجام هذه الكفاءات عن الترشح لعضوية المجلس، وتحرمها الاحتفاظ بوظائفها أو العودة إليها بعد انتهاء عضويتها إذا ما نالت شرف هذه العضوية.

كما أن فيها إجحافا بحق الموظفين الاتحاديين مقارنة بغيرهم، لأنها لا تطبق على موظفي المؤسسات والدوائر المحلية الذين يستطيعون الجمع بين وظائفهم وعضوية المجلس، ولا على العاملين في القطاع الخاص بطبيعة الحال.

هذا المخرج نعتقد أنه لن يستعصي على مشرعينا، لأن فيه مصلحة لمؤسساتنا الاتحادية، كما أن فيه مصلحة لمجلسنا الوطني الاتحادي الذي نتطلع إلى أن يضم خيرة أبناء الوطن من ذوي الخبرة والكفاءة العالية، مع حفظ حقوقهم، أثناء انضوائهم تحت قبته، وبعد خروجهم منه.