أظن أن ما سماه المصريون بيوم «جمعة قندهار» سوف يدخل تاريخ ثورة يناير باعتباره علامة فارقة في مسار الأحداث. في هذا اليوم (29 يوليو) كان هناك اتفاق بين تيارات الإسلام السياسي وباقي التيارات السياسية من السياسيين والليبراليين والقوميين، ومعظم التنظيمات الجديدة المعبرة عن شباب الثورة، على أن يكون اللقاء في ميدان التحريرهو لقاء «لم الشمل» الذي لا ترتفع فيه إلا شعارات الوحدة الوطنية، حتى يستطيع الجميع تجاوز الانجراف إلى حالة من الاستقطاب أصبحت تهدد مسيرة الثورة.
لكن ما حدث يومها حول التظاهرة المليونية إلى مناسبة لإعلان الافتراق السياسي وإثارة المخاوف بين ملايين المصريين، حين رأوا الجماعات السلفية المتشددة تحشد أتباعها من كل أنحاء مصر ليتجمعوا في ميدان التحرير، ثم تنقض كل العهود والوعود وتطلق شعاراتها الرافضة لأي حديث عن الدولة المدنية باعتباره خروجاً على الإسلام، ثم ترفع الرايات السوداء معلنة عن تيارات تكفير المجتمع كله (بمن فيه التيارات الإسلامية المعتدلة) داعية للجهاد ضد الكفار والملاحدة الذين يخرجون على الإسلام ويتحدثون عن البدع المستوردة (!!) كالديمقراطية والليبرالية والأحزاب والانتخابات والعياذ بالله!
في نفس اليوم كانت نفس الرايات السوداء ترتفع في أيدي جماعات قامت بغزو مدينة العريش في سيناء وقتل الأبرياء وحصار قيادة الشرطة التي استبسل أفرادها في الدفاع عنها رغم سقوط بعضهم شهداء، لتظهر بعد ذلك الحقائق عن الموقف الخطير في المنطقة حيث تم استغلال القيود التي فرضتها الاتفاقية مع إسرائيل على الوجود العسكري المصري، والظروف في غزة، وأخطاء النظام السابق، لتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للجماعات المتطرفة التي أعلنت عن نيتها إقامة «إمارة إسلامية» في المنطقة التي مازالت مطمعاً لإسرائيل وهدفاً لمؤامراتها!!
ورغم أن بعض التيارات الإسلامية (حتى المتشدد منها) كانت حريصة في ذلك اليوم على رفع لافتات في ميادين التحرير تعلن عن تأييدها للمجلس العسكري الذي كان قد اصطدم قبل أيام ببعض تجمعات الشباب في موقعه العباسية ووجه اتهامات لبعض الحركات الشبابية بتلقي دعم مالي خارجي.. إلا أن مسار الأحداث بعد ذلك يقول إن هذا اليوم كان له من الآثار ما هو أكثر بكثير مما قدره هؤلاء الذي تصوروا أنهم قد حسموا المعركة وهزموا المنافسين السياسيين ووضعوا الجيش ــ في الحد الأدنى ــ على الحياد، وامتلكوا القرار في تحديد ملامح النظام القادم.
في غمرة الأحداث لم يلتفت كثيرون إلى إشارة مهمة جاءت في خطاب رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي في ذكرى ثورة يوليو قبل أيام من «جمعة قندهار»، حيث أكد على حرص المجلس العسكري على إنهاء الفترة الانتقالية بسرعة والانتقال إلى نظام ديمقراطي في دولة مدنية. وربما راهن أعداء الدولة المدنية على الخلافات الواسعة بين المجلس العسكري وأنصار الدولة المدنية الذين لم يستطعيوا تنظيم صفوفهم ولا إنهاء حالة التشتت التي تمزقهم ولا التعامل مع أخطاء فادحة ترتكبها بعض فصائلهم التي تعجز عن ترتيب الأولويات وتترك المعارك الأساسية لتشغل نفسها بالصراعات الصغيرة والمفتعلة.
لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً بعدما حدث في «جمعة قندهار».. وفي الوقت الذي كانت كل القوى السياسية تعيد حساباتها، كان المجلس العسكري يدرك حجم الخطر، ويصحو على حقيقة أن «الحياد المصطنع» الذي يلتزم به سيؤدي إلى كارثة!!.. وهكذا تم الإعلان عن «حملة النسور العسكرية» لتطهير سيناء من الجماعات الإرهابية المتطرفة وإعادة بسط سلطة الدولة على كل شبر منها، واضطرت إسرائيل إلى التسليم بدخول مدرعات الجيش المصري إلى المنطقة المتاخمة للحدود لأول مرة منذ اتفاقية السلام حتى لا تجد نفسها أمام وضع يهدد الاتفاقية كلها بعد ان أكدت القاهرة أنه ــ رغم أي ظروف داخلية ــ فإنها لن تسمح بالانتقاص من سلطة الدول المصرية ولا بانتشار الجماعات الإرهابية المدعومة من تجار المخدرات والأسلحة والمخططات الإسرائيلية!
كانت استعادة سيطرة الدولة الكاملة على سيناء «قضية أمن قومي» بلا شك تحظى بإجماع كل المصريين.. لكن ما حدث بالنسبة للصراع حول مدنية الدولة كان لا يقل أهمية، حيث تم الإعلان عن وثيقة مبادئ دستورية تقوم الحكومة بإعدادها لتصدر في إعلان دستوري جديد من المجلس العسكري، وكذلك إعداد القواعد الخاصة باختيار اللجنة التي ستضع الدستور حتى لا يترك الأمر للأغلبية في البرلمان القادم لتقرر ما تشاء.
وفي الوقت الذي كانت الجماعات الإسلامية ترد بعنف، وخاصة من جانب الجماعة السلفية التي هددت بالنزول إلى الشارع وتصعيد الموقف، كانت القوى السياسية تبذل جهوداً لرأب الصدع، وتعددت المحاولات للوصول إلى «التوافق المطلوب» لعبور الأزمة. وعاد «الإخوان المسلمون» لتمييز موقفهم عن الجماعات الاسلامية المتشددة بإبداء شيء من المرونة التي كانوا قد تخلوا عنها لحد كبير تحت ضغط الجماعات المتشددة ومزايداتها.
كان «الإخوان المسلمون» قبل صعود التيارات السلفية المتشددة يتحدثون عن «دولة مدنية بمرجعية إسلامية»، وكانوا يتحدثون عن حزبهم من نفس المنطلق (حزب مدني بمرجعية إسلامية).. لكنهم لم يصمدوا أمام مزايدات الجماعات المتشددة التي اعتبرت «مدنية الدولة» كفراً بالدين وتآمراً على الإسلام. وقد كادت «وثيقة الأزهر الشريف» ألا تصدر لهذا السبب، لولا اللجوء إلى صيغة «الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة التي تكفل حقوق المواطنة لكل أبنائها دون تمييز».
ورغم تطور موقف «الإخوان المسلمين»، ورغم كل الجهود التي بذلت للوصول إلى توافق حول المبادئ الأساسية للدستور بما يطمئن الجميع ويزيل المخاوف التي تضاعفت بعد «جمعة قندهار»، فإن الكتلة الرافضة للدولة المدنية من الأحزاب الدينية مازالت ترفض الالتزام بأي شيء، وفي أحسن الأحوال تبدي موافقتها على المبادئ، ولكنها تصر على أن تظل مجرد «مبادئ استرشادية». توضع أمام لجنة إعداد الدستور وتأخذ بها أو لا تأخذ!!
لكن الوضع يأخذ منحي جديداً الآن بالتصريحات المهمة للرجل الثاني في المجلس العسكري الفريق سامي عنان، رئيس أركان القوات المسلحة، والذي أنهى فيها أي لبس حول موقف المجلس بهذا الشأن حين أكد أن «مدنية الدولة قضية أمن قومي لمصر»، ورغم دعوته للحوار لتسوية الخلافات والوصول إلى التوافق بين الفرقاء السياسيين، إلا أنه أكد أنه لا مساومة حول مدنية الدولة.
بالطبع يمكن القول بأنه ما كان أغنانا عن الكثير من تعقيدات الموقف الآن، لو أن هذا الحسم قد جاء مبكراً ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق.. لكن ما حدث قد حدث، ونحن الآن أمام موقف شديد الأهمية من القيادة العسكرية يفرض على الجميع أن يعيد ترتيب أوراقه. ولعلنا ــ حين يكتب تاريخ الثورة المصرية ــ سوف نجد انفسنا مدينين بالشكر لهؤلاء الذي رفعوا الرايات السوداء في «جمعة قندهار» واحتلوا ميادين التحرير ونشروا الإرهاب في سيناء، فقد جعلوا من استعادة السيطرة على سيناء ومن مدنية الدولة وديمقراطيتها.. قضايا أمن قومي لا تستطيع مصر التساهل فيها أو التسامح مع أي عبث بها.