دعونا نبعد قليلاً عن عالمنا ــ عن العالم الثالث الذي يقع معظمه في نصف الكرة الأرضية الجنوبي والذي أصبح مجرد كرة قدم يتلاعب بها العالم المتحضر والذي يقع بدوره في النصف الشمالي من نفس الكرة. العالم المتحضر ثقافياً وعلمياً وديمقراطياً يصب منذ أكثر من عشر سنوات جام غضبه ودماره وخزائنه في مهاجمة أنظمة سوريا وليبيا واليمن وحزب الله وعلى أهالي غزة التي تسحقهم الدبابات الإسرائيلية ويجود بمئات المليارات من الدولارات الخضراء اللون على حروب الجميع بات يعرف نياتها في أفغانستان والعراق تحت شعار: مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، حتى ولو أفلست الخزانة الأميركية ومن بعدها الفرنسية.

هذا العالم المتحضر كما ذكرنا والذي لا نختلف على أنه متقدم على العالم الثالث علمياً وديمقراطياً، وليس بالضرورة أخلاقياً، يبدو أنه لا يرى سوى أطماعه الظاهرة والخفية وبعين واحدة فقط. وحينما يتعلق الأمر بالجانب الإنساني فهو أبعد ما يكون عن الأخلاق التي يلقنوننا إياها يومياً من حيث احترام الذات الإنسانية، ورفع قيمة الإنسان.

إن نشر الديمقراطية في العراق (34 مليون نسمة) وأفغانستان (28 مليون نسمة) باستخدام العنف والقتل والتدمير بغرض إنقاذ شعبيهما لا يقل أهمية عن إنقاذ شعب كالشعب الصومالي (10 ملايين نسمة) الذي يموت عطشاً وجوعاً أمام منظر موائد اجتماعات عمل رؤساء دول العالم الغني الصناعي. فالجوع يطال اليوم أكثر من 11 مليون صومالي ما بين طفل وامرأة وشيخ مسن. والرقم في تزايد مع أسوأ موجة جفاف عرفتها القارة الأفريقية ضربت ليس فقط الصومال بل دولاً أفريقية أخرى.

ولكن الحديث اليوم يدور على كافة الأصعدة عن الوضع الإنساني في الصومال متمثلًا في جوع الإنسان وعطشه وحاجته لقطرة ماء وحفنة قمح لا تكلف ربع دولار، بينما تكلفة كل طلعة جوية لطائرة حربية أميركية أو فرنسية أو أطلسية تكفي لإنقاذ نصف مليون صومالي جائع.

ووفق مصادر الجيش الأميركي فإن كل صاروخ توما هوكس كذلك الذي استخدم لضرب مواقع مشبوهة في ليبيا وخلف مئات الضحايا من المدنيين يكلف أكثر من نصف مليون دولار (لكل صاروخ)!! بل أن هناك مصادر أخرى تؤكد ان الرقم الحقيقي هو أكثر من ذلك بكثير حيث يصل إلى 1.4 مليون دولار لكل صاروخ توماهوكس. ولو تخيلنا عدد الصواريخ من هذا النوع التي استخدمت منذ بدء إعلان الحرب على أفغانستان والعراق وليبيا لأصبنا بالذعر والخجل من الأخلاق الغربية في التعامل مع مصائب العالم الثالث.

أرض الصومال كان للغرب فيها أطماع عديدة بغرض وضع اليد عليها وعلى مقدراتها واحتلالها واستخدامها كمنصات انطلاق إلى القارة الأفريقية بأكملها. ولم يكتف الغرب المتحضر بوضع الخطط المتلاحقة لابتلاع الصومال بل قام بتحويلها إلى مكب للنفايات السامة التي يريد التخلص منها. فقد غادرت السفن الأوروبية شواطئها النظيفة لاصطياد بعض أنواع الأسماك على سواحل الصومال بطريقة غير شرعية، وقامت السفن الأخرى بكب النفايات النووية فيها بغرض التخلص منها.

ما أدى إلى تدمير البيئة البحرية على تلك السواحل. أي أن الغرب المتحضر يقوم بدلًا من دعم هذا البلد الفقير ببعض الدولارات بتدمير بيئته ومصدر رزقه. ولم يتحدث أحد عن تلك البشاعة الحضارية والإنسانية وانصب اهتمام الصحف الغربية والعربية ليل نهار ومازال على البحث عن قاتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

وقضية التخلص من النفايات النووية الأوروبية والأميركية على أراضي العالم الثالث تعتبر جريمة ضد الإنسانية وضد الطبيعة وتتطلب فتح ملف ورفع قضية جنائية ضد المتسبب في ذلك ومعاقبته. ونحن في وسائل إعلام العالم الثالث ليس لنا هم سوى الجري خلف المانشيتات الغربية. وكأن الصومال لا تمثل عضواً في جامعة الدول العربية منذ عام 1974، أي منذ ما يقارب الــ 37 عاماً وأن ما يضرها يضر العرب والمسلمين.

ثم هناك مسألة أخرى تتعلق بمصادر تسليح المتحاربين في الصومال. هل هناك يا ترى لجان تقصي الحقائق على مستوى لجان تقصي حقيقة مقتل الحريري لمعرفة من المستفيد من بيع السلاح إلى الصوماليين؟ وإلى غير الصوماليين في دول العالم الثالث؟

الوضع المؤلم في القرن الأفريقي لا يمكن حله بجمع المساعدات العاجلة من هنا وهناك. وبعد أن ينتهي حماس الدعم المادي المؤقت، هل تنتهي المشكلة؟ بالطبع لا. الشعب الصومالي هو من مسؤولية المسلمين والعرب. فالغرب لن يقدم قطعة خبز واحدة للصومال إلا مقابل ثمن مهين ومذل.

وحيث إن الفقر والجهل متزامنان ويتوالدان، فإن المطلوب من الدول الإسلامية والعربية أن تقوم بشكل عاجل بدعم هذا الشعب بكل الوسائل الممكنة. صحيح أن هناك جفافاً لم تعرفه الصومال منذ ستين عاماً، غير أن هناك طرقاً عديدة لتحويل البحر إلى مياه صالحة للشرب. وبدلاً من شراء عشرة صواريخ توماهوكس صناعة غربية تكدس في المخازن العربية، يمكن لهذه الدول الإسلامية المساهمة في تمويل إنشاء محطة تحلية مياه على شواطئ الصومال تغذي شرقه وغربه.

هل نحن نحلم؟ ربما، ولكن التطور العلمي لم يأت إلا من الخيال العلمي.

خبر 1: احتفلت إحدى القرى في بلجيكا بدخولها موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد أن تمكن بعض أهليها من تحضير أكبر كأس لمشروب في العالم بسعة أكثر من ألفي لتر وارتفاع يزيد على المترين وقطر يبلغ أكثر من متر ونصف المتر.

خبر 2: منذ أيام ودولة الإمارات العربية المتحدة حكاماً وشعباً وإعلاماً مستنفرة لجمع التبرعات العاجلة لشعب الصومال.

خبر 3: ما زال اللبنانيون منذ 2005 يبحثون عن قاتل رئيس وزرائهم؟

خبر 4: ما زال القذافي يحكم في ليبيا رغم أن أيامه باتت معدودة منذ أكثر من ستة شهور!

آية: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ــ سورة الرعد.

صدق الله العظيم