نشرت مؤسسة إبسوس أخيراً نتائج استطلاع رأي يقيس إدراك المواطنين للهجرة في 23 بلداً. وبرغم ما يودّ الساسة أقناع المواطنين به، فإن الشخص العادي لا يبدو مقتنعاً بفوائد سياسات الهجرة الحالية.
ويظهر الاستطلاع أن حدسنا الجمعي منسجم بالفعل مع الواقع: 80% من مواطني العالم، من روسيا والبرازيل إلى أميركا والهند، يشعرون أن معدلات الهجرة ازدادت على مدار السنوات الخمس الماضية، من بينهم 52 % يشعرون بأن المعدلات الحالية مرتفعة أكثر من اللزوم. كما يعتقد 45% أن للهجرة تأثيرات سلبية على بلدانهم. والجدير بالذكر هنا أن ما يعارضه الناس في هذا الاستطلاع هو الهجرة القانونية النظامية.
وبينما يركز السياسيون في أميركا عادة على الـ 12 مليون مهاجر غير شرعي الموجود في بلدهــم، فإنهــم يتجاهلــون في أحيــان كــثيرة حقيــقة أن البلــد يســتقبل أكــثر من مليون مهاجر قانوني في كل سنة.
صحيح أن أميركا بنيت على الهجرة، لكن ذلك كان مختلفاً عن الهجرات الجماعية من العالم الثالث التي نشهدها منذ أكثر من 40 عاماً. وكان اليسار قد أدخل مفهوم «التعددية الثقافية للعالم الثالث إلى أميركا خلال رئاسة ليندون جونسون من خلال قانون الهجرة والجنسية الذي مرره الحزب الديموقراطي في 1965. ولقد ولد ذلك القانون من واقع مبالغة الأميركيين البيض في الشعور بالذنب في ظل حركة الحقوق المدنية.
وفي ذلك الحين، قال السيناتور الديموقراطي تيد كنيدي: «بخلاف الاتهامات التي تتردد في بعض الأروقة، فإن هذا القانون لن يغرق أميركا بالمهاجرين القادمين من أي بلد محدد أو منطقة محددة، أو من البلدان الأكثف سكانياً في أفريقيا وآسيا. ووفق التحليل الأخير، فإن النمط الإثني للهجرة في ظل الإجراءات المقترحة لا يتوقع أن يتغير بصورة حادة كما يظن المنتقدون. هذا القانون لن يؤدي إلى تدفق فيضان من المهاجرين إلى مدننا، ولن يفسد توازن المزيج العرقي في مجتمعنا، ولن يؤدي إلى التراخي في معايير القبول، ولن يجعل العمال الأميركيين يفقدون وظائفهم».
لكن وفقاً للتحليل النهائي الحقيقي، فقد فتح القانون الجديد الباب لتدفق المهاجرين من العالم الثالث بأعداد أكبر بكثير مما كان مخطط له أصلاً، وفعل ذلك على أساس «لم شمل الأسرة لا على أساس المهارات.
قبل ذلك القانون، كانت الأغلبية الساحقة من المهاجرين إلى الولايات المتحدة تأتي من أوروبا الغربية وكندا. لكن بعد ذلك، هيمنت الهجرة من أميركا اللاتينية وآسيا، بينما تم تقليص أعداد المهاجرين من أوروبا من 86% إلى 13% فقط من عدد المهاجرين الإجمالي.
وأدى القانون إلى تدفق ناخبين ديموقراطيين جدد عن طريق الهجرة. والآن، يتعين على أي ســياسي ــ ســواء كان ديمواقراطياً أم جمهورياً ــ أن يجد طريقة للترويج لفكرة التعددية الثقافية، وإلا سيخاطر، نظرياً، بفقدان أصوات قطاع عريض من الناخبين.
في عهد رونالد ريغــان، ارتفعــت معــدلات الهجرة القانونية إلى مستويات شبه قياسية. وحتى جورج بوش الابن، لم يكن صارماً في قضية الهجرة، إذ احتفظ بنفس مستويات الهجرة من نفس البلدان التي كنا على صراع أيديولجي معها في أعقاب 11 سبتمبر. لا أحد يريد المساس بهذا القانون.
إن فكرة كون أي هجرة قانونية، وكل الهجرات القانونية أمراً إيجابياً في المحصلة، مزروعة في عمــق الضمير الشعبي مــن جــراء المبــادرات اليسارية لغسل الأدمغة والترويج للتنوع، والتي تبــدأ عــادة في المنهاج التعليمي في المدارس العامة.
والآن يثبت استطلاع إبسوس أخيراً صحــة هذا الاستنتاج، حيث أظهر أن الأشخاص الأكثر تعليماً هم الأكثر دعماً للهجرة. والكنديون المثقفون، كما أظهر الاستطلاع، هم أكثر فئات العالم تحمساً للهجرة.
وكنتيجة لذلك النظام، يتم تعريض طلاب المدارس إلى كمية هائلة من الترويج للتعددية الثقافية والتنوع في غياب أي وجهة نظر مغايرة. وهذا برغم حقيقة أن الزمرتين الأساسيتين اللتين أسستا كندا ــ الكنديين الفرنسيين والكنديين الإنجليز ــ لم تنسجما بعضهما مع بعض قط، مما أدى إلى عصر من إرهاب القوميين الفرنسيين، والذي تم كبته لاحقاً عن طريق رشوة مقاطعة كوبيك الكندية الفرنسية.
وربما يكون الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في استطلاع إبسوس ــ والأكثر تضارباً مع السياسة الأميركية الحالية ــ هو أن 45% من الناس يفضلون المهاجرين الماهرين المتعلمين الذين يأخذون الوظائف عالية المستوى التي لا يقوم بها السكان المحليون على المهاجرين ذوي المهارات المتدنية الذين لا يعملون أبداً. ولذلك يجب أن تركز سياسات الهجرة المستقبلية على جلب المواهب والحد من المهاجرين ذوي المستوى المتدني ــ وستكون هذه أيضاً وصفة للنجاح التنافسي في الاقتصاد العالمي. ولقد حان الوقت أن يبدأ الساسة بتناول هذا الموضوع المهم الذي طالما تجنبوا الخوض فيه.
كاتبة صحفية من كندا